جزء
لطيف من تعليق الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله على منظومة أبي إسحاق الألبيري
(460هـ). فيه تنبيه على أنّ الإخلاص والصّدق ثمرته تبقى، وعائدته تستمر، وأنّ من
نُبل المرءِ وفضله أن يتغافل عمّن أساء إليه ويشتغل بما ينفع.
قال:
قال:
وقد
اُشتهر بل كُتب على بعض طبعات هذه الوصية أو هذه المنظومة أنّ هذه الوصية لابنٍ
له، يقال له: أبو بكر، لولده، ولكن هذا ليس بصحيح، ليست هذه الوصية لابنٍ للناظم،
وإنما هي لرجل، وأيضًا شاعر، كان معاصرًا له، وقد يكون أيضًا زامله أو رافقه في
مرحلة الصّبا، ثم إنه في وقتٍ ما، هجا هذا الذي يقال له أبو بكر أبا إسحاق
الألبيري، وأخذ يتكلم عليه ويذمّه فكتب له أبو إسحاق هذه الوصية، وتجاهل كلَّ ما
قاله عنه، وأغفله واشتغل بمناصحته وتذكيره. وهذا من فضله ونبله وجميل خلقه، ولا كلُّ أحدٍ يحتمل ذلك. بل إنّه قال له: إنّك مهما
قلتَ في نقدي وانتقاصي لن تبلغ ما أعرفه من نفسي من تقصير. وهذا ضمّنه أبيات هذه
المنظومة، لكنها قطعًا ليست وصية لابنٍ له يقال له أبو بكر، كما هو شائع. يعني
تأمل في البيت السابع والثمانين وما بعده، وهو يقول له:
|
ولا تنكرْ فإن الأمرَ جِدٌّ
|
ولـيس كما حَسِبتَ ولا ظننتا
|
|
أبـا بـكـرٍ كشفتَ أقلَّ عيبي
|
وأكـثـرُه ومُـعـظمُه سَترتا
|
|
فقلْ ما شئتَ فيِّ من المخازي
|
وضـاعِـفـها فإنك قد صَدقتا
|
|
ومـهـما عِبتني فلِفرْطِ عِلمي
|
بـبـاطـنـتي كأنّك قد مدحتا
|
أيضًا
تأمل قوله له:
|
وكنتَ مع الصّبا أهدى سبيلًا
|
فما لَكَ بعد شيبِك قد نكثتا؟!
|
هذا
أيضًا البيت يُشعر أنه كان على معرفة به منذ الصّبا، ولا يمكن أبدًا أن يكون هذا
ابنًا لأبي إسحاق الألبيري رحمه الله.
وأشير
إلى أمرٍ أظنُّه وأحسِبُه: أنّ الإخلاصَ والصّدقَ ثمرتُه تبقى، وعائدتُه تستمر،
فانظر إلى شخصين:
· أحدهما أخذ يَعيب الآخرَ ويَلمِزُه
ويطعنُ فيه ويعدِّدُ معايبه في أبياتٍ كتبها، فلم يُعرف مَن هو ولم تُعرف أبياته.
· والآخر تغافل عن ذلك الطّعنِ والّلمزِ
والوقيعة، واشتغل بالنصح ديانةً وتذكيرًا وتعليمًا ونصحًا لشخص أقْذَعَ في الطعن
فيه وعدِّ المعائب، وتجرّد في المنظومة، لم ينظُمْها ليدافعَ عن نفسه، ولا ليبرّئ
ساحة نفسه، وإنما نظمها نصحًا لذلك الشخص، فانظر هذه الثمرة لمثل هذه الطريقة التي
تُعَدُّ في جلائل أبواب النّصح، ومآثره العظام، فبقيت نصيحته نافعة مع مرّ الأجيال
وتوالي الأعوام، ويستفيد منها السابقُ واللاحق. فهذا فيما أحسِبُ وأظنّ من ثمار
الإخلاص والصّدق.
والمخلصُ
الصّادق ليس له اهتمام بنفسه، نبينا -عليه الصلاة والسلام- كان لا يغضب لنفسه،
وإذا اُنتهكت حُرُمات الله لا يقوم لغضبه شيء، صلوات الله وسلامه عليه، ومما مدح
الله به المؤمنين المتقين كظمُ الغيظ، {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ
النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 134).
فالرجل
تغافل عن ذلك كله، واشتغل بتحرير ونظم أبياتٍ رائعة جميلة لطيفة، في حث هذا الرجل على
العلم والأخلاق الفاضلة والآداب الرفيعة واغتنام الأوقات، ووعظه وعظًا مؤثرًا
ونافعًا للغاية. والمرجو أن يكون ذاك قد انتفع بهذه الوصية، أما عموم نفعها فهذا
أمرٌ ظاهر فيما حصل من خير عظيم وانتشار واسع لهذه الأبيات الحسنة اللطيفة
الجامعة.
لسماع
المقطع الصوتي: