‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصائد منتقاة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصائد منتقاة. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 28 سبتمبر 2015

وقال شاعر الحكمة زهير

وقال شاعر الحكمة زهير بن أبي سُلمى:
ومَن يُوفِ لا يُذْمَمْ ومَن يُهدَ قلبُه
إلى مطمئنِّ البرِّ لا يَتجَمْجَمِ
التوضيح:
الجَمْجَمةُ هو الكلام الذي لا يُبَيَّنُ.
وجَمْجَمَ في صدره شيئًا: أَخفاه ولم يُبْدِه.
وقال أَبو الهيثم في قوله "إِلى مُطْمَئِنِّ البِرِّ لا يَتَجَمْجَمِ":
يقول: من أَفضى قلبُه إِلى الإِحسان المطمئنِّ الذي لا شُبهة فيه لم يَتَجَمْجَمْ، لم يشتبهْ عليه أَمرُه؛ فيتردّد فيه. 

 "لسان العرب" لابن منظور.

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا

قد يُظهِرُ اللهُ لنا أحيانًا بعضَ الحقائق، وتخفى على غيرنا، وربما نعجز عن إقناع الآخرين بما تبيّن لنا من الأمور، ولا حيلة عند ذلك إلا أن نحيلَ جلاءها للأيام، وفي هذا المعنى يقول الشاعر طرفةُ بن العبد في معلقته:
ستبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً
ويـأتيـك بالأخبــــاِر مَن لم تُــزَوِّدِ
ويـأتيــــك بـالأخبــــــارِ مَـن لم تَبِــعْ لــــه
بَتاتًا ولم تضرِبْ له وقتَ مَوْعِدِ
الشرح:
باع قد يكون بمعنى اشترى، وهو في البيت بهذا المعنى.
والبتات: كساء المسافر وأداته.
ولم تضرب له: أي لم تبين له، كقوله تعالى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً} أي بيّن وأوضح.
يقول: ستطلعك الأيام على ما تغفل عنه، وسينقل إليك الأخبار من لم تزوده. وسينقل إليك الأخبار من لم تشتر له متاع المسافر، ولم تبين له وقتا لنقل الأخبار إليك.
من "شرح المعلقات السّبع" للزوزني. ص126

وإنّ من الشِّعْر لحكمة

وإنّ من الشِّعْر لحكمة

قال المتنبي (ت354):
ووضع النّدى في موضع السّيف بالعلا
مضرٌّ كوضعِ السّيفِ في موضعِ النّدى
قال الواحدي:
أي: كلٌّ يُجازى ويُعاملُ على ما يستحق؛ فمَن استحقَّ العطاءَ لم يُستعملْ معه السّيف، ومَن استحقَّ القتلَ لم يُكرمْ بالعطاء. ومَن فعل ذلك أضرَّ بِعُلاه.
* * * * * 

الأحد، 12 يوليو 2015

جئنا لِلُقيا الهَوى مِنْ غيرِ ميعادِ

قصيدة "جئنا لِلُقيا الهَوى مِنْ غيرِ ميعادِ"
أ د. عبد الرحمن الشهري
حفظه الله

جئنا لِلُقيا الهَوى مِنْ غيرِ ميعادِ 
والشوقُ يضربُ أكبادًا بأكبادِ
والذكرياتُ رَمَتْ بي في سوانحِها
حتى التقى الشوقُ ميادٌ بِميّادِ
كمْ ليلة ٍبتُّ أَرعى ذكرَها وأَنا
في غُربتي بين آهاتٍ وإنشادِ
أضرمتَ يا شوقُ قلبي مِنْ فِراقهمُ
فاليومَ عيدُكَ موصولٌ بأَعيادِ
هذي النَّماصُ فقلْ ما كنتَ تكتمُه
ولا تَخَفْ لوم َعُذَّالٍ وحُسَّادِ
صُغْ في النماصِ بديعَ القولِ واشدُ بهِ
فكلُّ ثغرٍ بما تشدو بهِ شادِ
ناديتُها وشُجوني لا ضِفافَ لها
يا قصةَ الحُبِّ، يا أُنشودةَ الحادي
يا أَرضَ قَومي رَعاكِ اللهُ مِنْ بَلَدٍ
فما دِمَشقُ ؟ وما أَرباضُ بغدادِ؟
يا دُرةً زُيِّنتْ أَرضُ السَّراةِ بها
ويا سليلةَ أعراقٍ وأمجادِ
يا مَنْ أَقامَ على عَذلي وخالَفَني
أَلا تَرى الحُسنَ فيها رائحًا غادِ
سِرْ في رُباها وطَوِّفْ في معاهِدِها
يجري بكَ الحُسْنُ مِنْ وادٍ إلى وادِ
صوتُ الهزار ِعلى أغصانِ أيكتِها
يغنيكَ عَنْ صوتِ قَيثارٍ وأَعوادِ
ونَفْحَةُ المِسْكِ والكافورِ إِنْ عُدِمَتْ
يغُنيكَ عنها عَبيرُ الشِّيحِ والكادِي
مَنْ لي بنفحةِ شِيْحٍ مِنْ نسائِمِها
تَشفي غَليلَ فُؤادٍ شُوقُه بَادِ
أو نظرةٍ لِمَغانيِها وقد كُسيَت
بُرْدًا من الحُسْنِ مَشفوعًا بِأَبْرادِ
حتى السحابُ إذا حاذى مرابعَها
فالجوُّ ما بين بَرَّاقٍ ورَعَّادِ
قد طاب فيها الجَنى حُلوًا لقاطفهِ
وطابَ فيها الهَوى وِردًا لِمُرتادِ
تَلَفَّعَتْ بضبابٍ خَوفَ حاسدِها
كظبيةٍ تَتَخَفَّى خَوْفَ صيَّادِ
حَلَّتْ قبائلُ حَجرٍ في مرابعِها
كأَنَّها أَجْمَةٌ حُفَّتْ بِآسَادِ
عريقةٌ في مَدى التاريخ نسبتُها
ومجدُها الحُرُّ موصولٌ بأَمجادِ
يلقى بها الضيفُ ما يلقَاهُ مِنْ كرمٍ
يُنسيهِ ذِكْرَ أَخِلاءٍ وأَولادِ
ما جودُ حاتم إِنْ عاينتَ جُودَهُمُ
وما البهاليلُ مِنْ أبناءِ عبَّادِ؟
قبائلٌ آمنتْ بالله خالقِها
تحمي حمى الدين من باغٍ ومن عادِ
قد بايعوه على الإسلامِ مِنْ قِدَمٍ
وقد حَدَا بهمُ نحوَ الهُدى حادِ
أهلُ الشجاعةِ قد سِيْطَتْ دِماؤهمُ
منها وقد ضَرَبَتْ فيهِم بِأَوتادِ
فَقُلْ لِمَنْ يَدَّعي في المجدِ منزلةً
جئني بِأَجدادِ صدقٍ مثلِ أَجدادي


السبت، 28 مارس 2015

قصيدة: فدعِ الصِّبا (الكامل)


كلمات : الشاعر صالح عبد القدوس

فدَعِ الصِّبا فلقد عداكَ زمانُهُ و ازهَد فعمرُكَ مرَّ منه الأطيبُ

ذهبَ الشبابُ فما له منْ عودةٍ و أتَى المشيبُ فأينَ منهُ المَهربُ

دَعْ عنكَ ما قد كانَ في زمنِ الصِّبا و اذكُر ذنوبَكَ و ابِكها يا مُذنبُ

و اذكرْ مناقشةَ الحسابِ فإنه لا بَدَّ يُحصي ما جنيتَ و يَكتُبُ

لم ينسَهُ الملَكانِ حينَ نسيتَهُ بل أثبتاهُ و أنتَ لاهٍ تلعبُ

و الرُّوحُ فيكَ وديعةٌ أودعتَها ستَردُّها بالرغمِ منكَ و تُسلَبُ

و غرورُ دنياكَ التي تسعى لها دارٌ حقيقتُها متاعٌ يذهبُ

و الليلُ فاعلمْ و النهارُ كلاهما أنفاسُنا فيها تُعدُّ و تُحسبُ

وجميعُ ما خلَّفتَهُ و جمعتَهُ حقاً يَقيناً بعدَ موتِكَ يُنهبُ

تَبَّاً لدارٍ لا يدومُ نعيمُها و مَشيدُها عمّا قليلٍ يَخربُ

فاسمعْ هُديتَ نصيحةً أولاكَها بَرٌّ نَصوحٌ للأنامِ مُجرِّبُ

صَحِبَ الزَّمانَ و أهلَه مُستبصراً و رأى الأمورَ بما تؤوبُ و تَعقُبُ

فعليكَ تقوى اللهِ فالزمْها تفزْ إنّ التّقيَّ هوَ البَهيُّ الأهيَبُ

و اعملْ بطاعتِهِ تنلْ منهُ الرِّضا إن المطيعَ لهُ لديهِ مُقرَّبُ

و اقنعْ ففي بعضِ القناعةِ راحةٌ و اليأسُ ممّا فاتَ فهوَ المَطْلبُ

فإذا طَمِعتَ كُسيتَ ثوبَ مذلَّةٍ فلقدْ كُسيَ ثوبَ المَذلَّةِ أشعبُ

و ابدأْ عَدوَّكَ بالتحيّةِ و لتَكُنْ منهُ زمانَكَ خائفاً تترقَّبُ

و احذرهُ إن لاقيتَهُ مُتَبَسِّماً فالليثُ يبدو نابُهُ إذْ يغْضَبُ

إنَّ العدوُّ و إنْ تقادَمَ عهدُهُ فالحقدُ باقٍ في الصُّدورِ مُغيَّبُ

و إذا الصَّديقٌ لقيتَهُ مُتملِّقاً فهوَ العدوُّ و حقُّهُ يُتجنَّبُ

لا خيرَ في ودِّ امريءٍ مُتملِّقٍ حُلوِ اللسانِ و قلبهُ يتلهَّبُ

يلقاكَ يحلفُ أنه بكَ واثقٌ و إذا توارَى عنكَ فهوَ العقرَبُ

يُعطيكَ من طَرَفِ اللِّسانِ حلاوةً و يَروغُ منكَ كما يروغُ الثّعلبُ

وَ صِلِ الكرامَ و إنْ رموكَ بجفوةٍ فالصفحُ عنهمْ بالتَّجاوزِ أصوَبُ

و اخترْ قرينَكَ و اصطنعهُ تفاخراً إنَّ القرينَ إلى المُقارنِ يُنسبُ

إنَّ الغنيَ من الرجالِ مُكرَّمٌ و تراهُ يُرجى ما لديهِ و يُرهبُ

و يُبَشُّ بالتَّرحيبِ عندَ قدومِهِ و يُقـامُ عندَ سلامهِ و يُقرَّبُ

و الفقرُ شينٌ للرِّجالِ فإنه حقاً يهونُ به الشَّريفُ الأنسبُ

و اخفضْ جناحَكَ للأقاربِ كُلِّهمْ بتذلُّلٍ و اسمحْ لهمْ إن أذنبوا

و دعِ الكَذوبَ فلا يكُنْ لكَ صاحباً إنَّ الكذوبَ يشينُ حُراً يَصحبُ

و زنِ الكلامَ إذا نطقتَ ولا تكنْ ثرثارةً في كلِّ نادٍ تخطُبُ

و احفظْ لسانَكَ و احترزْ من لفظِهِ فالمرءُ يَسلَمُ باللسانِ و يُعطَبُ

و السِّـرُّ فاكتمهُ و لا تنطُقْ بهِ إنَّ الزجاجةَ كسرُها لا يُشعَبُ

و كذاكَ سرُّ المرءِ إنْ لمْ يُطوهِ نشرتْهُ ألسنةٌ تزيدُ و تكذِبُ

لا تحرِصَنْ فالحِرصُ ليسَ بزائدٍ في الرِّزقِ بل يشقى الحريصُ و يتعبُ

و يظلُّ ملهوفاً يرومُ تحيّلاً و الرِّزقُ ليسَ بحيلةٍ يُستجلَبُ

كم عاجزٍ في الناسِ يأتي رزقُهُ رغَداً و يُحرَمُ كَيِّسٌ و يُخيَّبُ

و ارعَ الأمانةَ ، و الخيانةَ فاجتنبْ و اعدِلْ و لا تظلمْ يَطبْ لكَ مكسَبُ

و إذا أصابكَ نكبةٌ فاصبرْ لها من ذا رأيتَ مسلَّماً لا يُنْكبُ

و إذا رُميتَ من الزمانِ بريبةٍ أو نالكَ الأمرُ الأشقُّ الأصعبُ

فاضرعْ لربّك إنه أدنى لمنْ يدعوهُ من حبلِ الوريدِ و أقربُ

كُنْ ما استطعتَ عن الأنامِ بمعزِلٍ إنَّ الكثيرَ من الوَرَى لا يُصحبُ

و احذرْ مُصاحبةَ اللئيم فإنّهُ يُعدي كما يُعدي الصحيحَ الأجربُ

و احذرْ من المظلومِ سَهماً صائباً و اعلمْ بأنَّ دعاءَهُ لا يُحجَبُ

و إذا رأيتَ الرِّزقَ عَزَّ ببلدةٍ و خشيتَ فيها أن يضيقَ المذهبُ

فارحلْ فأرضُ اللهِ واسعةَ الفَضَا طولاً و عَرضاً شرقُها و المغرِبُ

فلقدْ نصحتُكَ إنْ قبلتَ نصيحتي فالنُّصحُ أغلى ما يُباعُ و يُوهَبُ

الجمعة، 12 ديسمبر 2014

إبحارٌ في أعماق الفصحى

إبحارٌ في أعماق الفصحى
"تلويحة شعرية لمقام اللغة العربية"

روضُــنــا مــــازال بـالـخِـصِــب نــديـــا = بـــكـــرةً يــُثــمــر فــيــنــا وعــشــيــا
أنـبـتَ الفـصـحـى لـنــا خـيــرَ نـبــاتٍ = فـنـمــت لـفـظًــا وحــسّـًـا شـاعـريــا
وازدهـــــت نــصّــًـا بـلاغــيــّا بـديــعــًا = يــمــلأ الـنـفــسَ شــعــورًا أريـحــيــا
واحـــةٌ يستـمـِنـح الـخِـصْـبُ ثــراهــا = خـِصـبـَه يـطـلـبُ مـنـهـا الـنّـبـعُ رِيـــا
أيـهــا الـسـائـلُ عـنّــا فــــي زمــــانٍ = ذاق فـيـه الـنـاسُ بـؤسًـا "عولـمـيـا"
مـن جـذور اللغـةِ الفصحـى انطلقـنـا = نـمـلأ الدنـيـا صـــدًى عـذبــًا شـجـيـا
وبــهـــا نـتــلــو كــتـــابَ اللهِ غـــضّـــًا = مــثــلــمـــا أنــــزلـــــه اللهُ طــــريـــــا
لــغـــةٌ مـا ســافــرَ الإبـــــداعُ فــيــهــا =ســــفـــــرًا إلا أعــــادتـــــه فـــتـــيـــا
ليـسـت البـحـرَ فـفـي البـحـرُ غـثــاءٌ = وهــي تعـطـي مـاءَهـا عـذبـًـا نـقـيـا
درُّهــا أصـفــى مـــن الـــدرِّ وأغـلــى = فـــهـــي لا تــحــمـــلُ درًّا صــدفــيـــا
هــي بـحـرٌ مــن بـيـانٍ لـــم يـخـالـطْ = مـــاءه مـلــحٌ ولـــم يـحـمــلْ عـَصِـيــا
لـغــةٌ أسـفــرَ عـنـهـا الـفـجـرُ وجـهــًا = ســاحــَر العـيـنـيـن ريــّــانَ الـمـحـيـا
وُلــدتْ فــي حـضـنٍ تـاريــخ ٍعـظـيـم ٍ= خـرجــت مـنــه لـنــا خـلـقًـا ســويـــا
مــنــذ أن كــــان لــهــا الـشـعــرُ رداء = مـحـكــمَ الـنـســج وثــوبـًـا قـرشــيــا
لــغـــةٌ يـحـمـلـهـا هــــــديُ كـــتـــابٍ = صـــــار كـــنـــزًا لـلـمـعـاني أبـــديـــا
قـــد حـبـاهـا سـيــد الـخـلـق بـيـانـا = صــافــيَ الـمـعـنـى وهــديـًـا نـبـويــا
لغتـي الفصحـى أرى فــي مقلتيـهـا = فيـضَ دمـعٍ قــد جــرى نـهـرًا سخـيـا
هـــي تـبـكـي مثلما نـبـكـي ولـكــن = نبـعــهــا يــأتـــي نـزيــفًــا داخـلــيــا
هي تشكو عجمةً في القومِ تَسري = لــم تــدع شيـخـًا ولــم تـتـركْ صبـيـا
صرخـتْ فـي وجـه صمتـي ذاتَ يـومٍ = لـتـثــيــرَ الـــعـــزمَ والــغَــيــرة فـــيــــا
مـالـكـم يـا قــومُ تــــؤذون شــعــوري = بلسـانٍ يشتكـي فـي القـولِ عِيـا؟؟
أنـــــا لا أســمـــعُ نــطــقـًـا عــربــيـًـا = خــالــصَ الـلـفــظِ وحِــسّــا يـَعْـُربـيــا
أنـــا لا أسـمــعُ لـفـظـًـا مستـقـيـمـًا = إنــمـــا أســمـــع لـفــظــًا أعـجـمـيــا
إنــمــا أســمــعُ مـا يـُشْـبِـهُ عــنــدي = لــغـــةَ الــجـــنِّ اخــتــلاطــًا ودَوِيــــــا
فــالإذاعــاتُ الــتــي تَــهِــدر فـيـكــم = كـــلَّ يــــومٍ تُـظـهِــرُ الــــداءَ الـخـفـيـا
والـفـضـائــيــات تـــجــــري بـــكــــلام = ســاقــطٍ يــَجــرحُ مــــن كــــان أبــيّــا
وأرى فـــي صـحــفِ الــقــومِ كــلامًــا = يـقـتــل الإعــــرابَ قــتـــلًا هـمـجـيــا
كـلـمــاتٌ جُـلِـبــتْ مــــن كــــلِّ أرض = مـثـلـمــا يـُجْــلِــبُ جـــــلادٌ عِــصــيــا
أو كـمــا يـجـلــبُ سـِمْـســارٌ قــــرودًا = ضــابــحــاتٍ وقـطـيــعـًـا "غـيـلـمـيــا"
مابـكـم فــي عصـركـم صـرتـم غـثـاءً = تـسـتــذلــون الـــوِفـــاقَ الـعـائـلـيــا؟
إن خرجـتـم مــن بساتيـنـي لقيـتـم = حـَسَــكًــا يـــــؤذي ودربــًـــا دَمَــويـــا
لـغــةُ الــضــادِ أنــــا والــضــادُ حــــرفٌ = لــم يــزل باللـغـة الفـصـحـى حـفـيـا
أنــــا يــاقــومُ لــكـــم بــيـــتٌ كـبــيــرٌ = يجـمـع الـشـّمْـلَ ولا يـــؤوي شـقـيـا
أنــــــا والــفــكــرُ لـــقــــاءٌ ووصـــــــالٌ = قــد رسمـنـا لـوحـةَ الـوعـي سـويــا
أنــــا أروي عــنــه أخــبـــارًا وعـلــمـًـا = وهــو يبـنـي للـمـدى صـرحًــا عَـلـيـا
اســألــوا شــامــًا ومــصــرًا وعــراقـًــا = كـيـف ليـنـتُ لـهــا الـصَّـخْـرَ العـتـيـا
كــيــف أنــبــتُّ لــهــا نــخــلَ بــيـــانٍ = بـاسـقــًا يمـنـحُـهـا تــمـــرًا شـهــيــا
اسـألــوا عــنــي خُــرَاســان ومــــروًا = وبُـخـارى واسـألـوا الـشّـرق القـصـيـا
اسـألــوا دِجـلــةَ لـمــا ســـال حـبــرًا = حـيـنـمــا لاقــيـــتُ ظـلــمًــا تــتــريــا
اسـألــوا عــنــي تــراثــا لو حـفـظـتـم = عـُـشْــرَه مـا كـنـتـم الــيـــومَ جـثــيــا
لـغــةُ الـخـلــد أنــــا تـفـنــى لــغــاتٌ = وأنـــــا ألــبـــسُ تـــاجــًـا ســرمــديــا
ســـوف أغـــدو لــغــةَ الـجـنّــة لــمّــا = يـرفــع الـرحـمـنُ مـــن كــــان تـقـيــا
أنــا كـنــزُ الـعـلـمِ والإيـمــانِ عـنــدي = شـيـمــةٌ تـعـطــي عــطــاءً حـاتـمـيـا
فــي جــذوري وجـذوعــي وفـروعــي = ثـــروةٌ مـــن حـازهــا عــــاش غـنـيــا
صــرّفــوا أقـوالــكــم كــيـــف أردتـــــم = فــأنـــا أمـنـحُـهــا الــلــفــظَ الــزكــيــا
قــرّبــوا كــــلَّ عــلــومِ الأرضِ مــنــي = فــأنـــا الأفـْــــقُ اتــســاعًــا ورقـــيـــا
لــو فتـحـتـم ألـــفَ بـــابٍ للمـعـانـي =كـــلَّ يـــومٍ لمـنـحـتُ الـلـفــظَ حــيــا
ثــروةُ الألـفــاظِ عـنــدي لـــن تـلاقــوا = مـثـلَــهــا نــبــعــًا ولا كـــنـــزًا ثـــريـــا
لـو سألـتـم وَهَــجَ الإحـسـاسِ مــاذا = يـبـتـغــي قـــــال: لـســانــًا عـربــيــا
يـابـنــي يــَعْــــــرُبَ لـلأمــجــادِ وجـــــهٌ = مشـرقٌ فاستقبـلـوا الـوجـهَ الرضـيـا
حـفــظ الأجـــدادُ مـنــي ماعـلـمـتـم = فـاحـفـظــوا إرثَ الــجـــدودِ الأزلـــيـــا
"لغـةُ الـقـران" مـا فـي الأرض مثـلـي = لــغـــةً تـحــمــِلُ وصـــفـــًا عـالـمــيــا

عبدالرحمن بن صالح العشماوي


السبت، 29 نوفمبر 2014

قصيدة العشماوي في اللغة العربية

بعنوان: "فاتنة لا تخذل عاشقَها"
في عصر يومٍ مُفعمٍ بالريح والغبارْ
بدأتْ رحلةُ النهار
منطلقاً في عملي مُرتَّبُ الأفكارْ
كؤوسُ شعري لم تكن تُدار
ولم تكنْ شموعُهُ في مهجتي تُنارْ
ولمْ يكنْ يُثيرني ولمْ يكنْ يُثارْ
لأنني في يومها لم ألثمِ الأزهارْ
وما سمعتُ يومها ترنُّم الأطيارْ
لكنَّني ..
سمعتُ في المذياعِ نشرة الأخبارْ
أوَّاهُ منها نشرة الأخبارْ
أخبارها كالريح و الإعصارْ
فخبرٌ عن قصَّةِ الإعمار
هل تعرفونَ قصة الإعمارْ
نعم ، نعم فكلُّكم قد سمع القرار
وخبرٌ عن غزَّةَِ الأحرار
مقلتها مسكونةٌ بمنظرِ الدَّمارْ
ولم تزل تعيشٌ قسوة الحصارْ
وخبرٌ عن قدْسنا السليبْ
يعيشُ تحت وطْأة الغريبْ
و المسجد المباركُ الحبيبْ
مهدَّدٌ بالهدمِ و التخريبْ
وخبرٌ آلمني عن مُهْجةِ العراقْ
في كلِّ يومٍ قصَّةٌ عن بؤسها تُساقْ
أوَّاهُ منها نشرةُ الأخبارْ
هل تسمعونَ نشرةَ الأخبارْ ؟
يزفُّها الأثيرُوالأقمارْ
أنصحكم ـ من أجلكم ـ أنْ تقرأوا الأذكارْ
في عصر يومٍِ مثقلٍ بثورة الترابْ
أصبحتُ فيهِ مُثخنَ الذَّهابِ والإيابْ
فلمْ أذق حلاوة الطعامِ والشرابْ
ولمْ تعانق ظمئي حلاوة الأكواب
في عصر هذا اليومِ كنت في المطارْ
وكانَ جسمي مرهقا من تَعَبِ النهارْ
وكانَ رأسي يشتكي من شدَّة الدوارْ
حتى وهمتُ أنَّهُ يدور كالإطارْ
وكنتُ في تلهُّفٍ لغفوةٍ خفيفهْ
تسعدني براحةٍ في لحظةٍ لطيفهْ
أصدقكم بأنَّني همَمتُ أن أنامْ
هممتُ أن أتيهَ في عوالم الأحلامْ
وأن أعانق الهلال والنجومَ والأجرامْ
وأن أصافح الغمامْ
وأن أكونَ فارساً ممتشق الحُسامْ 
يهزُّ سيفاً صارماً في ساحة المنامْ
هممتُ أن أغادر المكان والزمانْ
وأنْ أُريحَ مقلتي وأُغمِضَ الأجفان
لكنَّهم ـ يا ويحهم ـ قد ردَّدوا الإعلانْ 
وكرَّروا نداءَهم عن موعد الإقلاعْ
هيَّا احملوا متاعكم وأرْهفوا الأسماعْ
هيَّا ارحلوا إلى " دبيٍّ " حيث تلتقون
بألفِ صوتٍ شاعرٍ هناكَ تلتقونْ
هناكَ تُنشدونَ تسمعونْ
هناكَ جيلٌ شاعرٌ يُطْربهُ النشيدْ
يُعجبُهُ تناغمُ القصيدْ
وحينما يسمعهُ يظلُّ يستزيدْ
وهبطتْ عابرةُ الفضاءْ
صديقة الرياحِ والأنواءْ
عاشقةُ الأفق 
حبيبة الشفق
هذي دبيُّ هذه بوابة القدومْ
وهذهِ أبراجُها وهذه النجومْ
وهذه سفنُها في بحرها تعومْ
وهذه أطيافها من فوقنا تحومْ
هذا مطارٌ يبهر الزوَّارْ
مساحةٌ كبيرةٌ صارخة الأنوارْ
تجارةٌ مفتوحةٌ محمومةُ الأسعارْ
وصورٌ معروضةٌ ليس لها إطارْ
الناسُ فيها بينَ سائرٍ يسير
وبينَ راكضٍ يكادُ أنْ يطيرْ
لله ما تراهُ مقلتيَّ من البشرْ
سبحانَ من أوجدهمْ بهذه الصورْ
تختلفُ الألوانُ و المشاهدْ تختلفُ النياتُ والمقاصدْ
تختلفُ الأفكارُ و العقائدْ وكلُّهم في عيشهِ يُكابدْ
هذا الضجيج والصخبْ
هذي النحورُ و الصدور و الركبْ
رجالهمْ ، نساؤهم ، ومن مشى ومن وثبْ
ومنْ تراخى جالساً أقعده التعبْ
ومن أتى ومن ذهبْ
ومن تناءى واقتربْ
من أينَ يا دُبيُّ أبدأ الكلامْ
فالشعر هزَّ سيفهُ وقرَّب السهامْ
وانطلقتْ قصيدتي جامحة اللغهْ
كؤوسها من الهدوءِ مُفرَغَهْ
والتفتتْ قصيدتي إلى اليمينِ لفتةَ الكَمَدْ
وحزنها في قلبها المولَّهِ اتَّقدْ
تعوَّذتْ بربها من شرِّ ما خلقْ
وشرِّ كلِّ من فسقْ
وشرِّ كلِّ ما سرى وما غّسّقْ
تعوَّذت قصيدتي من شرِّ ما مضى وما وَرَدْ
من شرِّ كلِّ حاسدٍ إذا حسدْ
وبعد لحظة من الذهولْ
سمعتها تقول :
انظر إلى تلك التي انظر إلى هذا الذي
أنظر إلى ، ماذا أرى أمَا هنا من مُنْقِذِ ؟!
أما ترى كما أرى يا عاشق الإلهامْ ؟
أما ترى الأنامْ ؟
أما ترى ما خبَّأت عباءةُ الظلامْ ؟
هذي هنا يا ويلها ... هل نسيتْ ثيابها
وهذه يا ويحها ... هل فقدت صوابها
وهذه ما بالها ... حانقةٌ مشاكسهْ
وهذهِ مائلةٌ ... مُميلةٌ ومائسهْ
وهذه مقبوضة الجبينِ عابسهْ
وهذه هادئة العينينِ ناعسهْ
وهذه نحيلةٌ كالعودِ يابسهْ
وهذه شفتها مقلوبهْ
وهذه كأنها أنبوبهْ
وهذه طويلةٌ سَلْهوبَهْ
وهذه ، وهذه ، فقلت يا قصيدتي تمهَّلي 
تعوَّذي باللهِ لا تولْوليْ
و التفتت قصيدتي إلى اليسارِ مُتْعبهْ
فهمْهَمَتْ وغمغمَتْ وأصبحتْ مُضطربهْ
وبعد لحظةٍ جديدةٍ من الذهولْ
سمعتها تقولْ :
أمَّا الرجالُ فالرِّجالُ ، يا رجالْ
أقول : ماذا أيُّها الرجالْ
هل أصف الأحوالْ ؟
أم أنطوي على الأسى في خاطري
وأترك المجالْ ؟
أما الرجالُ يا أحبتي الأماجدْ
فإنَّهم قد أشعلوا في قلبي المواقدْ
رأيتهم أعجوبةً في عصرنا العجيبْ
إياكَ أنْ تلومني يا شاعري الحبيبْ
فقلتُ : يا قصيدتي ترفقي ، ترفقي
فردَّدتْ في نشوةٍ 
تدفَّقي ، تدفَّقي
فقلتُ : بل ترفقي 
فردَّدت : تدفقي ، تدفقي
وصرتُ في ذهولْ ، فانطلقتْ تقولْ :
بكيتُ للرجالِ مثلما بكيتُ للنساءْ
و الله ما ظلمتهم يا شاعر الوفاءْ
رأيتهم في حالةٍ تدعوا إلى الرِّثاءْ
رأيتهم يمشونَ في استرخاءْ
تأبَّطوا أذرعةَ النساءْ
قدْ لوَّنوا وجوههمْ وضيَّقوا الرِّداءْ
تشابهت وجوههمْ كأنَّهم سواءْ
كأنهم لم يعرفوا طبيعة الحياءْ
انظر معي ، فذلك الذي يدخن السيجارْ
في عينه احمرارْ ، يسير في انكسارْ
وصوتهُ الثقيلُ يلفتُ الأنظارْ
يميلُ يمنةً ويسرَةً يناطح الجدارْ
وماله في سيرهِ قرارْ
وانظر هناك لترى بعض الأمور المخجلهْ
فرجلٌ أهدابهُ ـ مثل النساءِ ـ مُسْبلَهْ
ورجلٌ لِمَّتُهُ كأختِهِ مرجَّلهْ
ورجلٌ ثيابُهُ مُهلْهَلَهْ
ورجلٌ أقراطهُ من أذنيهِ مُرْسلَهْ
و رجلٌ في صدرهِ ، فوق القميص ، سلسلهْ
ورجلٌ مضطربٌ يسير سير الحجلهْ
وأصبحت قصيدتي في حيرةٍ وبلبلهْ
ما بينَ حال رجلٍ أنثى ، وأنثى رجُلَهْ
وانصرفت قصيدتي متعبةً كئيبهْ
وقد رأيتُ بعدها حادثةً عجيبهْ
امرأةٌ غريبهْ ، دموعُها صبيبهْ
يظنُّ من شاهدها بأنَّها مريبهْ
رأيتها جالسةً تلوذُ بالجدارْ
في حالة انكسارْ
أو أنها في لحظة انتظارْ
أو أنها في ساعة احتضارْ
أو أنها كعصرها تعيش حالة انشطارْ
امرأة جميلة الهندامْ
محفوفةٌ بهالة احترامْ
أظنها مسكونةٌ بالحب و الغرامْ
جلبابها الفضفاضُ يلفتُ النظرْ
أمَّا خمارُها فإنهُ يلامسُ القمرْ
دنوتُ منها حَذِراً أصارعُ الوجلْ
سلَّمتُ ردَّت السلامَ في خجلْ
ما أروعَ الخجلْ
سألتها أسئلة كثيرهْ ، جميعها مثيرهْ
هل أنت من مقدسنا طريده ؟؟
هل أنت من غزَّتنا شريدهْ ؟؟
هل أنت من عراقنا مهاجرهْ ؟
هل أنت من صومالنا مسافرهْ ؟
هل أنت من أفغاننا الحبيبهْ ؟
أم أنت من كشميرنا الخصيبهْ ؟
أم أنت من كواكبٍ بعيدهْ
هَجَرْتِها وصرتِ ها هنا وحيدهْ ؟!
امرأةٌ غريبهْ 
رأيتها في ساحة المطارْ
تلوذُ بالجدارْ
رأيتها في الشارع الكبير ، وحيدةً تسيرْ
تلوذ بالجدارْ
رأيتها في المتجر الكبيرْ ، وحيدةً تسيرْ
تلوذ بالجدارْ
رأيتها في " فندق الضيافهْ "
في غاية اللطافهْ
لكنها تجلس في زاويةٍ تلوذُ بالجدارْ
كأنها في حالة انكسارْ ، أو لحظة انتظارْ
أو ساعة احتضارْ
شعرتُ نحوها ـ واالله ـ بالحنانْ
رأيتها كئيبةً حزينةَ الوجدانْ
لكنها ثابتة الجنان
كريمة رفيعة المكانْ
في وجهها أصالةٌ تبصرها العينانْ
وأثرٌ يلوحُ من قحطانْ
سألتها ـ بالله ـ بعد أنْ منحتها الأمانْ
من أنتِ يا سيدة الحسانْ
تحدَّثي وأسهبي في الشرح والبيانْ
تنهَّدتْ وأرسلتْ دموعها 
وأوقدت من دمعها شموعها
وانطلقت تقولْ :
أنا التي نشأتُ في القممْ
أنا الشموخُ والإباءُ و الشَّممْ
أنا العطاءُ والسَّخاءُ و الكرمْ
أنا التي أرفع راية القيمْ
أنا التي بروعتي يبتهج القلمْ
أنا التي ينطلق اللسان بي ، ويفرح النَّغمْ
أنا التي تغرد الأطيار بي ، ويهدل الحمامْ
أنا التي تمدحني ألسنةُ الكرامْ
أنا التي ، فقلتُ : مهلاً أوجزي واختصري الكلامْ
فأرْعدتْ وأبرقتْ وهزَّت السنانْ
وشنَّفتْ بصوتها الآذانْ
وأبهجتْ بعطرها المكانْ
وانطلقتْ تقولْ :
أنا التي أسكنتموها ظلمة الكهوفْ
أنا التي أوردْتموها مورد الحتوفْ
تركتومها حول نفسها تطوفْ
وشمسها تصارع الكسوفْ
أنا التي تركتموها وحدها تقاومْ
أبناؤها أنتم هنا ، وأهلها الأكارمْ
لكنكمْ ألقمتموها حجر الهزائمْ
منذ اعتمدتم لغة الأعاجمْ
أنا التي مزَّقني الإعلامْ
وأتعبتني قسوة اللِّجامْ
أنا التي أخاطب القلوب والعقولْ
وأغرس الأزهار في الحقولْ
وأنثر الإبداع في الجبالِ و السهولْ
أنا التي شرفني بحبه الرسولْ
أنا التي أطرِّز البيانْ
أحرك الوجدانْ
أنا التي بأحرفي يرتفع الأذانْ
وحينما يحتدم السباق أكسب الرهانْ
أنا التي بأحرفي تنزل القرآنْ
فهل عرفتَ من أنا يا أيها الحيرانْ
أصابني الوجومْ
وخلتُ أني في الضحى أشاهد النجومْ
وأنني في بحر حسرتي أعومْ
نَعَم ، نعمْ ، يا لغتي الحبيبهْ
أصبحتِ في بلادنا غريبهْ
تناوشتكِ لغةُ الأعاجِمِ ، ولهجاتٌ أصبحتْ تُهاجمْ
تمصَّرتْ ، تلبْنَنَتْ ، تَخَلْيَجتْ ، تَمَغْرَبَتْ 
وشرَّقت وغرَّبتْ
وحيَّرت أجيالنا ، وبعّدت وقرّبت
نعم ، نعم ، يا لغة القرآن 
يا لغة الجمال والكمال والبهاء، ولغة الصفاءْ
يا لغة البيانْ ، يا لغة الفردوس و الجنانْ 
لا تيأسي من فارسٍ أصيلْ
تُطربهُ سنابكُ الخيولِ و الصهيلْ
يسقيكِ من وفائِهِ ما ينعش النَّخيلْ
ينالُ فيكِ شرفاً ليسَ لهُ مثيل