‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحديث. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحديث. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 14 أبريل 2022

من برّ الوالدين بعد موتهما

 

من برّ الوالدين بعد موتهما

 

1)  صلة أصدقاء وأرحام الوالدين بعد موتهما

في "صحيح مسلم":

4631 - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَالَ بَلَى فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ وَقَالَ ارْكَبْ هَذَا وَالْعِمَامَةَ قَالَ اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ((إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ)) وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ.

(بعد أن يولي) يعني: بعد أن يموت، كما في "عون المعبود".

 

2)  الاستغفار لهما

عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ((سبع يجرى للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علّم علمًا، أو كرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى مسجدًا، أو ورّث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته)).

حسن لغيره "صحيح الترغيب والترهيب" (73).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الرجل لترفع درجته في الجنة ، فيقول : أنّى ( لي) هذا ؟ فيقال : باستغفار ولدك لك".

"السلسلة الصحيحة" (1598).

 

3)  الدعاء لهما

((....ورجل ترك ولدا صالحا يدعو له)).

صحيح لغيره، "صحيح الترغيب والترهيب" (114).

 

4)  إنفاذ وعدهما

في "صحيح مسلم":

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا فَقَالَ: ((لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا)) قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ((فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى))

فالوعد بمنزلة الدين. لكن يُنتبَه هنا إلى أن قضاء الدين يمكن أن يحصل مِن أي أحد ولو مِن غير ابن الميت، نبّه على هذا أبي رحمه الله في "أحكام الجنائز" أيضًا، إذ قال:

"أفادت هذه الأحاديث أن الميت ينتفع بقضاء الدين عنه، ولو كان من غير ولده، وأن القضاء يرفع العذاب عنه، فهي من جملة المخصصات لعموم قوله تبارك وتعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) ولقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث.." الحديث رواه مسلم والبخاري في الأدب المفرد وأحمد، ولكن القضاء عنه شيء والتصدق عنه شيء آخر، فإنه أخص من التصدق، وإلا فالأحاديث التي وردت في التصدق عنه، إنما موردها في صدقة الولد عن الوالدين، وهو مِن كسبهما بنص الحديث، فلا يحوز قياس الغريب عليهما، لأنه قياس مع الفارق كما هو ظاهر، ولا قياس الصدقة على القضاء، لأنها أعم منه كما ذكرنا". ا.هـ

 

 

وهناك مسائل أخرى يدل عليها عموم قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (سورة النجم) والولدُ مِن سعي الإنسان، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((الولدُ مِن كَسْبِ الوالد)) صححه أبي في "السلسلة الصحيحة" (2414)، لهذا؛ نَصَّ أبي رحمه الله في "أحكام الجنائز" تحت عنوان "ما ينتفع به الميت" – وفيه بحث نفيس، أقول هذا رغم يقيني أن شهادتي مجروحة -:

"رابعًا: ما يفعله الولد الصالح مِن الأعمال الصالحة: فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء لأن الولد من سعيهما وكسبهما والله عز وجل يقول : {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( إنّ أطْيَبَ ما أَكَلَ الرجلُ مِن كَسْبِه، وإنّ ولدَه مِن كَسْبِه )

 ويؤيد ما دلت عليه الآية والحديث أحاديث خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح كالصدقة والصيام والعتق ونحوه وهذه بعضها:

 الأول : ( صحيح ) عن عائشة رضي الله عنها : ( أن رجلا قال : إن أمي افتلتت نفسها [ ولم توص ] وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها [ ولي أجر ] ؟ قال : نعم [ فتصدق عنها ] )

 الثاني : ( حسن ) عن عبد الله بن عمر : ( أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية قال : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة وإن هشاما أعتق عنه خمسين وبقيت عليه خمسون أفأعتق عنه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ( إنه لو كان مسلما فأعتقتم أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك ( وفي رواية ) : فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك )"

انتهى النقل مِن "أحكام الجنائز".

 

 

وسألت معلمتي -رحمها الله-: هناك جملة في تفسير حدائق الروح والريحان مطلوب البحث هل لها أصل أم لا في سورة العنكبوت آية 8 كان الكلام عن بر الوالدين فذكر أن من برهما بعد موتها : زيارة قبرهما كل جمعة؟

فأجابت:

49 - " من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب بَرًّا " .

قال الألباني رحمه الله في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 / 125 ) :

موضوع .

أخرجه الطبراني في " الصغير " ( ص 199 ) و في " الأوسط " ( 1 / 84 / 1 ـ من" زوائد المعجمين " ) ، و عنه الأصبهاني في " الترغيب " ( 228 / 2 ) من طريق محمد بن النعمان بن عبد الرحمن عن يحيى بن العلاء البجلي عن عبد الكريم أبي أمية عن مجاهد عن أبي هريرة مرفوعا و قال : لا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد .

قلت : و هو موضوع : محمد بن النعمان هذا قال في " الميزان " و تبعه في " اللسان " : مجهول ، قاله العقيلي ، و يحيى متروك .

قلت : و يحيى هذا مجمع على ضعفه ، و قد كذبه وكيع ، و كذا أحمد فقال : كذاب يضع الحديث و قال ابن عدي : و الضعف على رواياته بين ، و أحاديثه موضوعات .

و شيخه عبد الكريم أبي أمية هو ابن أبي المخارق ضعيف أيضا و لكنه لم يتهم ، و لذلك لم يصب الحافظ الهيثمي حين أعل الحديث به فقط ، فقال ( 3 / 60 ) : رواه الطبراني في " الأوسط " و " الصغير " ، و فيه عبد الكريم أبو أمية و هو ضعيف .

و أما شيخه العراقي ، فقد أعله في " تخريج الإحياء " ( 4 / 418 ) بما نقلته آنفا عن " الميزان " فأصاب وكذلك أخطأ السيوطي في " اللآليء " ( 2 / 234 ) حيث قال : عبد الكريم ضعيف ، ويحيى بن العلاء ومحمد بن النعمان مجهولان فإن يحيى بن العلاء ليس بالمجهول ، بل هو معروف ولكن بالكذب ! .

ثم إن للحديث علة أخرى وهي الاضطراب ، فقد أخرجه ابن أبي الدنيا في " القبور " ومن طريقه عبد الغني المقدسي في " السنن " ( 92 / 2 ) عن محمد بن النعمان يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا معضل.

وقال ابن أبي حاتم في " العلل " ( 2 / 209 ) : سألت أبي عن حديث رواه أبو موسى محمد ( بن ) المثنى عن محمد بن النعمان أبي النعمان الباهلي عن يحيى بن العلاء عن عمه خالد بن عامر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يعق والديه أو أحدهما فيموتان فيأتي قبره كل ليلة ؟ قال أبي : هذا إسناد مضطرب ، ومتن الحديث منكر جدا كأنه موضوع". ا.هـ

 

 

.

الجمعة، 26 يوليو 2013

درجة حديث: "وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟


درجة حديث: "وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل الله إليه ملكًا..."
ذكر هذا الحديث ابن كثير رحمه الله، في تفسيره ثم قال:
"وهذا حديث غريب جدًا والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع، والله أعلم" اهـ
"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (1/ 679). عند سورة البقرة، آية الكرسي (255).

وقال ابن كثير أيضًا في موطن آخر:
"والظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع، بل من الإسرائيليات المنكرة؛ فإن موسى -عليه السلام- أجَلّ من أن يُجَوّز على الله سبحانه وتعالى النوم. وقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز بأنه: {الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ} [البقرة:255]. وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسْطَ ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه". اهـ
"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير (6/ 558). عند سورة فاطر، آية (41).

وقال الشيخ الألباني –رحمه الله-: منكر.
"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" (1043).

الجمعة، 12 يوليو 2013

ففيهما فجاهد



ففيهما فجاهد
عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال:  جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذنه في الجهاد. فقال: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد"[1].
في هذا الحديث العظيم عدة وقفات:
أولاً-  أنّ برّ الوالدين يعادل الجهاد في سبيل الله، لأن معنى قوله: "ففيهما فجاهد" أي إن كان لك أبوان فأبلغ جهدَك في برّهما والإحسان إليهما؛ فإن ذلك يقوم لك مقام قتال العدوّ"[2].
وسُمّي إتعاب النفس في القيام بمصالح الأبوين، وإزعاجهما الولد في طلب ما يحتاجانه من حوائج وبذل المال في قضاء حوائجهم جهادًا من باب المشاكلة، فقال: "ففيهما فجاهد" لأنه جاء يسأل عن الجهاد.
ثانيًا - أنّ حق الوالدين مقدّم على الجهاد في سبيل الله عزّ وجلّ، لأن الجهاد في الأصل فرض كفاية، إلا في حالات، أما برّ الوالدين فهو فرض عين في جميع أحواله.
وعليه فلا يجوز للإنسان أن يخرج للجهاد الشرعي المنضبط بضوابط الشريعة ويترك والديه، خصوصًا إذا كانا بحاجة إلى وجوده عندهما، وقيامه بمصالحهما، وإذا كان هذا في الجهاد الشرعي الصحيح البيّن فكيف بدعاوى الجهاد؟! وكيف بما ليس بجهاد؟! كمن خرج إلى سفر مباح، فلا يليق بحق الوالدين أن يذهب بدون أن يستأذنهما.
قال الحسن البصرى: "إذا أذنت له أمُّه في الجهاد وعلم أن هواها أن يجلس، فيجلس"[3].
ثالثًا- أنّ المسلم إذا أراد الجهاد يجب أن يستأذن وليَ الأمر، فهذا الرجل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم -وهو ولي الأمر في ذلك الزمان- يستأذنه، وهذا هو نظام الإسلام في الجهاد.
رابعًا- بيان حظ الصحابة –رضي الله عنهم- في الإسلام، وعظم فضلهم ومكانتهم، وحرصهم على أن يأتوا بالعبادات الشرعية على الوجه الصحيح الذي يحبه الله تعالى، وليس بالعاطفة والهوى.
فكانوا لا يقدمون على عبادة إذا كانوا يجهلونها أو يجهلون بعض أحكامها الشريعة حتى يسألوا عن ذلك ويستفصلوا، فيستمعون ويستسلمون لتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم، ولو خالفت هواهم وعاطفتهم. لتقع العبادة موقعها الشرعي، وهذا هو الواجب على المسلمين[4].
والله المستعان ومنه التوفيق.



[1]  متفق عليه، "صحيح البخاري" (كتاب الجهاد والسير/ باب الجهاد بإذن الأبوين/ 3004)، "صحيح مسلم" (كتاب البرّ والصلة والأدب/ باب برّ الوالدين وأيهما أحق به؟/2549 ).
[2]  انظر "فتح الباري" للحافظ ابن حجر.
[3]  انظر "شرح صحيح البخاري" لابن بطال.
[4]  "شرح بلوغ المرام" للانتساب المطور. الدكتور طارق العودة.

الأربعاء، 12 يونيو 2013

ما يقول إذا خرج من بيته


ما يقول إذا خرج من بيته
عن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "إذا خرج الرجل من بيته، فقال: بسم الله، توكلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له:  هُديت وكُفيتَ ووقيتَ، فيتنحى منه الشيطان". فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجلٍ قد هُدي وكُفي ووُقي؟"[1].
وعن أمِّ سلمة –رضي الله عنها- قالت: ما خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلمَ أو أُظلمَ، أو أَجهلَ أو يُجهلَ عليَّ"[2].

وهذا تعليق لطيف على الحديث الثاني للشيخ صالح بن حميد –حفظه الله-:
" أن أَضِلَّ" بنفسه، من حيث هواه ونفسه. والنفس أمارة بالسوء.
"أو أُضَلَّ" يأتي من يضلّك، سواء الشيطان أو قرين السوء. وجلساء السوء ليس شيئًا بعيدًا، فقد يكون من أهلك وأقاربك {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}.
"أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ" الزَّلّة الانحراف.
فالضلال احتمال يكون في الشيء الفكري. والزلل في الشيء السلوكي. نسأل الله السلامة!
"أو أَظلمَ أو أُظلمَ"
الأولان تستعيذ فيهما بالله من الضلال وهذا ظاهر، سواء من نفسك أو من غيرك، لكن أن تظلم! هذه مهم أن تتفقد فيها نفسك.
كلنا الغالب إذا جلسنا في مجلس وسمعنا واعظًا يتكلم عن خصال سيئة كالغيبة والنميمة، كلنا نهز رؤوسنا، ونحمده على وعظه، لكن غالبًا أننا –وهو يعظ- أنّ أفكارنا ذهبت إلى غيرنا من الناس، لا يكاد الإنسان حينما يتكلم الواعظ عن الغيبة أو النميمة يقول: هل أنا واقع أم لا؟ ولهذا حين تقول "أن أظلم" مهم جدًا أن تتفقد هل ظلمتَ أو لا؟ وعلامة استجابة الله لك أن تنظر هل ظلمتَ أم لا؟ هل ظلمتَ الخادم أم لم تظلمه؟ هل ظلمتَ الزوجة أم لم تظلم؟ هل ظلمت أولادك أم لم تظلم؟ هل ظلمت جيرانك أم لم تظلم؟ فمهم جدًا أن الإنسان فعلاً يحاسب نفسه.
"أو أُظلم" لا شك أنك تستعيذ بالله أن يقيك مَن يوقِع عليك الظلم. وهذا وراد أن تُبتلى، لكن تسأل الله أن يقيك.
"أو أَجهلَ أو يُجهلَ عليَّ"
ليس المراد بالجهل عدم القراءة والكتابة.
الجَهْل: هو نوع من السفه يطغى على العقل. {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}[3]، وقال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}[4].
فأنت تستعيذ بالله أن تجهل، يعني أن تسفه. وقال: "أن أَجْهَلَ" يعني ليس دائمًا تكون جاهلاً، أحيانا يطغى عليك وتجهل، ولهذا عمرو بن كلثوم الجاهلي، مع أنه من قيادات قومه يقول:
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا     فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا
هذا حمق وسفه طبعًا، مع أنه يرى أنها عزة! يعني لا نقبل أن يغلط علينا أحد.
لذلك في الصيام: "مَن لم يدعْ قولَ الزور، والعملَ به، والجَهْلَ؛ فليس لله حاجةٌ أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه"[5].
وقال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ}[6]، وقال: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ}[7].
عمل السوء بجهالة هو شيء يطغى على العقل فيدخل مرحلة السفه، إما شيطان وإما اعتزاز بنفس وإما –طبعًا- ضعف إيمان، لذلك قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"[8] بمعنى أنه يضعف إيمانه، يضعف يضعف بحيث يقدم على المعصية، ثم يندم -وربّنا تواب رحيم والحمد لله- لكنه فعلاً ما كان إيمانه قويًا بحيث منعه.
المقصود أن نبين معنى الجهالة لأنه فعلاً لو كان الإنسان في كامل عقله السويّ ما أقدم على معصية، لأنها ما يقبلها عاقل، حتى الخمور التي ابتليت بها الدول -التي تُسمى متقدمة- تعلم أضرارها، وهي تصرف المليارات في علاج آثارها، معروف، فالإنسان لا يأتيها وهو عاقل، ولهذا قال الله عن الكفار {لا يَعْقِلُونَ}[9] ليس معناه أنهم مجانين، لأنهم لو كانوا مجانين لما كُلفوا أصلاً، ولكن معنى لا يَعْقِل، يعني لم يُعمِل عقلَه في تلك الساعة. وقال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}[10] فالإنسان يجهل أحيانًا، الذين يدخن هذا يجهل، وإلا بالاتفاق وبالإجماع وإجماع الأطباء وإجماع الصلحاء وإجماع المرشدين والموجهين والعلماء والمشايخ وأصحاب البيئة أنّ التدخين مضر، حتى المدخِّن يعرف أنّه مضر، فلماذا يدخن إذًا؟! ولهذا قال: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} الأنعام لو تعطيها علفًا (برسيم) متغيرًا رائحته ما تأكله. فكيف الإنسان يُقْدِمُ على التدخين؟! أقدم عليه لأنه سفه.
المقصود أن تسأل الله ألا تجهل، بمعنى ألا تدخل في مرحلة سفه.
كيف تعرف أنك لم تدخل في مرحلة السفه؟
قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}[11] الذي قال سلامًا لم يصل لمرحلة الجهل، بمعنى أنه ماسك نفسه وأعصابه، ومسيطر على عقله. عندما تغلط الزوجة عليك لا تجهل، أمسكْ نفَسك، حقيقة، لا تجهلْ، والله، بهذا تعمر البيوت، اتركوا العنف، وكونوا حليمين، كونوا رفيقين، كن مسيطرًا على عقلك، هذه هي القوة الحقيقة، ولا تكن جاهلاً، بمعنى أن تتصرف تصرّف الجهال، تصرف مَن هم أقلّ عقلاً يعني أقلّ حكمة.
"أول يُجهل عليّ" تسأل الله أن يسلّمك من الابتلاء بجاهل، لكن إذا ابتليت فقل: سلامًا.
إذًا تسأل الله ألا تَظلم وألا تُبتلى بمن يظلمك، وألا تَجهل وألا تُبتلى بمن يجهل عليك.


مقطع مفرّغ من شرح "آداب المشي إلى الصلاة" للشيخ صالح بن حميد، حفظه الله.
(باختصار وتصرف يسير).
تاريخ الدرس 22/ 7/ 1434هـ


[1]  رواه أبو داود (كتاب الأدب/ باب ما يقول إذا خرج من بيته/ 5095)، وصححه الألباني.
[2]  رواه أبو داود (كتاب الأدب/ باب ما يقول إذا خرج من بيته/ 5094)، وصححه الألباني.
[3]  (الفرقان: 63).
[4]  (القصص: 55).
[5]  "صحيح البخاري" (كتاب الأدب/ باب قول الله تعالى: {واجتنبوا قول الزور}/6057}.
[6]  (الأنعام: 64).
[7]  (النساء: 17).
[8]  متفق عليه، "صحيح البخاري" (كتاب المظالم/ باب النهبى بغير إذن صاحبه/2475). و"صحيح مسلم" (كتاب الإيمان/ باب نقصان الإيمان بالمعاصي، ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله/ 57).
[9]  (البقرة: 171).
[10]  (الأعراف: 179).
[11]  (الفرقان: 63). 

الاثنين، 20 مايو 2013

صحيحُ البخاريِّ لو أنصفوه!
























صحيحُ البخاريِّ لو أنصفوه!



قال الفضلُ بنُ إسماعيلَ الجرجانيُّ يثني على كتاب "الجامع الصحيح" لأمير المحدِّثين محمَّدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ -رحمه الله تعالى-:

صحيحُ البخاري لو أنصفوه
                      لما خُطَّ إلا بماء الذَّهَبْ
هو الفرقُ بين الهدى والعمى
            هو السدُّ بين الفتى والعَطَبْ
أسانيدُ مثل نجومِ السماء
أمام متونٍ كمثل الشُّهُبْ
به قام ميزانُ دينِ الرسولِ
                  ودان به العُجْمُ بعد العَرْبْ
حجابٌ من النار لا شكَّ فيه
                  تميَّز بين الرِّضى والغَضَبْ
وسترٌ رقيقٌ إلى المصطفى
                  ونصٌّ مبينٌ لكَشْفِ الرّيَبْ
فيا عالمًا أجمعَ العالِمونَ
       على فضلِ رُتبتِه في الرُّتَبْ[1]
سبقْتَ الأئمةَ فيما جمعتَ
             وفزتَ على رَغْمهم بالقَصَبْ
نفيتَ الضعيفَ مِن النّاقلين
            ومَن كان متهَمًا بالكَذِبْ
وأبرزتَ في حُسْنِ ترتيبه
   وتبويبه عَجَبًا للعَجَبْ
فأعطاكَ مولاك ما تشتهيهِ
                 وأجزلْ حظَّكَ فيما وَهَبْ
وخصَّكَ في عَرَصَاتِ الجِنانِ
           بِنِعَمٍ تدومُ ولا تَنْقَضِبْ[2]

                            ***





[1] في "سير أعلام النبلاء" للذهبي: الريب. (12/ 471).
[2] "تاريخ دمشق" لابن عساكر (52/ 74- 75)، وسير أعلام النبلاء، للذهبي (12/ 471). 



الأحد، 27 نوفمبر 2011

شرح حديث في جامع الدعوات


الحديث:
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ)). رواه الترمذي (كتاب الدعوات/ باب ما جاء في جامع الدعوات عن النبي صلى الله عليه وسلم/ 3482) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني.
الشرح:
قَوْلُهُ : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ)) أَيْ: لَا يَسْكُنُ وَلَا يَطْمَئِنُّ بِذِكْرِ اللَّهِ.
((وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ)) أَيْ: لَا يُسْتَجَابُ
((وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ)) أَيْ:
أ‌)       بِمَا آتَاهَا اللَّهُ، وَلَا تَقْنَعُ بِمَا رَزَقَهَا، وَلَا تَفْتُرُ عَنْ جَمْعِ الْمَالِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ شِدَّةِ الْحِرْصِ.
ب‌)  أَوْ مِنْ نَفْسٍ تَأْكُلُ كَثِيرًا.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ حَرِيصَةٍ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ وَتَحْصِيلِ الْمَنَاصِبِ
((وَمِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ)) أَيْ:
أ‌)       عِلْمٍ لَا أَعْمَلُ بِهِ، وَلَا أُعَلِّمُ النَّاسَ، وَلَا يُهَذِّبُ الْأَخْلَاقَ وَالْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ.
ب‌)  أَوْ عِلْمٍ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.
ج‌)    أَوْ لَمْ يَرِدْ فِي تَعَلُّمِهِ إِذْنٌ شَرْعِيٌّ .
ما العلاقة بين هذه الأربع المستعاذ منها؟
قَالَ الطِّيبِيُّ: "اِعْلَمْ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْقَرَائِنِ الْأَرْبَعِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ وُجُودَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى غَايَتِهِ، وَأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ تِلْكَ الْغَايَةُ، وَذَلِكَ:
1.    أَنَّ تَحْصِيلَ الْعُلُومِ إِنَّمَا هُوَ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا، فَإِذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ لَمْ يَخْلُصْ مِنْهُ كَفَافًا، بَلْ يَكُونُ وَبَالًا، وَلِذَلِكَ اِسْتَعَاذَ.
2.    وَأَنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا خُلِقَ لِأَنْ يَتَخَشَّعَ لِبَارِئِهِ، وَيَنْشَرِحَ لِذَلِكَ الصَّدْرُ، وَيُقْذَفُ النُّورُ فِيهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ قَاسِيًا؛ فَيَجِبُ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ}.
3.    وَأَنَّ النَّفْسَ يُعْتَدُّ بِهَا إِذَا تَجَافَتْ عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَأَنَابَتْ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَهِيَ إِذَا كَانَتْ مَنْهُومَةً لَا تَشْبَعُ حَرِيصَةً عَلَى الدُّنْيَا؛ كَانَتْ أَعْدَى عَدُوِّ الْمَرْءِ؛ فَأَوْلَى الشَّيْءُ الَّذِي يُسْتَعَاذُ مِنْهُ هِيَ، أَيْ: النَّفْسُ.
4.    وَعَدَمُ اِسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ، وَلَمْ يَخْشَعْ قَلْبُهُ، وَلَمْ تَشْبَعْ نَفْسُهُ، اِنْتَهَى[1].

قلت:
وهناك علاقة أخرى بين جمل الحديث، وهي أنّ من علامات العلم النافع خشوع القلب، كما قال تعالى في وصف الذين أوتوا العلم: {قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}[2]، ومن علاماته أيضًا عدم الحرص على الدنيا وجمع المال وتحصيل المناصب، فليس حالهم كحال مريدي الحياة الدنيا، قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ}[3] .
والظنّ بالله الكريم سبحانه أنّ من كان من أهل العلم النافع، والقلب الخاشع، والنفس الزاهدة في الدنيا أن يسمع الله دعاءه إذا دعاه.






[1] "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي" لصفي الدين المباركفوري. (باختصار).
[2] (الإسراء: 107- 109).
[3] (القصص: 79- 80).