‏إظهار الرسائل ذات التسميات متفرقات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات متفرقات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 14 أبريل 2022

من برّ الوالدين بعد موتهما

 

من برّ الوالدين بعد موتهما

 

1)  صلة أصدقاء وأرحام الوالدين بعد موتهما

في "صحيح مسلم":

4631 - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ جَمِيعًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَالَ بَلَى فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ وَقَالَ ارْكَبْ هَذَا وَالْعِمَامَةَ قَالَ اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ((إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ)) وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ.

(بعد أن يولي) يعني: بعد أن يموت، كما في "عون المعبود".

 

2)  الاستغفار لهما

عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ((سبع يجرى للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علّم علمًا، أو كرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى مسجدًا، أو ورّث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته)).

حسن لغيره "صحيح الترغيب والترهيب" (73).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الرجل لترفع درجته في الجنة ، فيقول : أنّى ( لي) هذا ؟ فيقال : باستغفار ولدك لك".

"السلسلة الصحيحة" (1598).

 

3)  الدعاء لهما

((....ورجل ترك ولدا صالحا يدعو له)).

صحيح لغيره، "صحيح الترغيب والترهيب" (114).

 

4)  إنفاذ وعدهما

في "صحيح مسلم":

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا فَقَالَ: ((لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا)) قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ((فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى))

فالوعد بمنزلة الدين. لكن يُنتبَه هنا إلى أن قضاء الدين يمكن أن يحصل مِن أي أحد ولو مِن غير ابن الميت، نبّه على هذا أبي رحمه الله في "أحكام الجنائز" أيضًا، إذ قال:

"أفادت هذه الأحاديث أن الميت ينتفع بقضاء الدين عنه، ولو كان من غير ولده، وأن القضاء يرفع العذاب عنه، فهي من جملة المخصصات لعموم قوله تبارك وتعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) ولقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث.." الحديث رواه مسلم والبخاري في الأدب المفرد وأحمد، ولكن القضاء عنه شيء والتصدق عنه شيء آخر، فإنه أخص من التصدق، وإلا فالأحاديث التي وردت في التصدق عنه، إنما موردها في صدقة الولد عن الوالدين، وهو مِن كسبهما بنص الحديث، فلا يحوز قياس الغريب عليهما، لأنه قياس مع الفارق كما هو ظاهر، ولا قياس الصدقة على القضاء، لأنها أعم منه كما ذكرنا". ا.هـ

 

 

وهناك مسائل أخرى يدل عليها عموم قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (سورة النجم) والولدُ مِن سعي الإنسان، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((الولدُ مِن كَسْبِ الوالد)) صححه أبي في "السلسلة الصحيحة" (2414)، لهذا؛ نَصَّ أبي رحمه الله في "أحكام الجنائز" تحت عنوان "ما ينتفع به الميت" – وفيه بحث نفيس، أقول هذا رغم يقيني أن شهادتي مجروحة -:

"رابعًا: ما يفعله الولد الصالح مِن الأعمال الصالحة: فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء لأن الولد من سعيهما وكسبهما والله عز وجل يقول : {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ( صحيح ) ( إنّ أطْيَبَ ما أَكَلَ الرجلُ مِن كَسْبِه، وإنّ ولدَه مِن كَسْبِه )

 ويؤيد ما دلت عليه الآية والحديث أحاديث خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح كالصدقة والصيام والعتق ونحوه وهذه بعضها:

 الأول : ( صحيح ) عن عائشة رضي الله عنها : ( أن رجلا قال : إن أمي افتلتت نفسها [ ولم توص ] وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها [ ولي أجر ] ؟ قال : نعم [ فتصدق عنها ] )

 الثاني : ( حسن ) عن عبد الله بن عمر : ( أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية قال : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة وإن هشاما أعتق عنه خمسين وبقيت عليه خمسون أفأعتق عنه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ( إنه لو كان مسلما فأعتقتم أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك ( وفي رواية ) : فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك )"

انتهى النقل مِن "أحكام الجنائز".

 

 

وسألت معلمتي -رحمها الله-: هناك جملة في تفسير حدائق الروح والريحان مطلوب البحث هل لها أصل أم لا في سورة العنكبوت آية 8 كان الكلام عن بر الوالدين فذكر أن من برهما بعد موتها : زيارة قبرهما كل جمعة؟

فأجابت:

49 - " من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب بَرًّا " .

قال الألباني رحمه الله في سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 1 / 125 ) :

موضوع .

أخرجه الطبراني في " الصغير " ( ص 199 ) و في " الأوسط " ( 1 / 84 / 1 ـ من" زوائد المعجمين " ) ، و عنه الأصبهاني في " الترغيب " ( 228 / 2 ) من طريق محمد بن النعمان بن عبد الرحمن عن يحيى بن العلاء البجلي عن عبد الكريم أبي أمية عن مجاهد عن أبي هريرة مرفوعا و قال : لا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد .

قلت : و هو موضوع : محمد بن النعمان هذا قال في " الميزان " و تبعه في " اللسان " : مجهول ، قاله العقيلي ، و يحيى متروك .

قلت : و يحيى هذا مجمع على ضعفه ، و قد كذبه وكيع ، و كذا أحمد فقال : كذاب يضع الحديث و قال ابن عدي : و الضعف على رواياته بين ، و أحاديثه موضوعات .

و شيخه عبد الكريم أبي أمية هو ابن أبي المخارق ضعيف أيضا و لكنه لم يتهم ، و لذلك لم يصب الحافظ الهيثمي حين أعل الحديث به فقط ، فقال ( 3 / 60 ) : رواه الطبراني في " الأوسط " و " الصغير " ، و فيه عبد الكريم أبو أمية و هو ضعيف .

و أما شيخه العراقي ، فقد أعله في " تخريج الإحياء " ( 4 / 418 ) بما نقلته آنفا عن " الميزان " فأصاب وكذلك أخطأ السيوطي في " اللآليء " ( 2 / 234 ) حيث قال : عبد الكريم ضعيف ، ويحيى بن العلاء ومحمد بن النعمان مجهولان فإن يحيى بن العلاء ليس بالمجهول ، بل هو معروف ولكن بالكذب ! .

ثم إن للحديث علة أخرى وهي الاضطراب ، فقد أخرجه ابن أبي الدنيا في " القبور " ومن طريقه عبد الغني المقدسي في " السنن " ( 92 / 2 ) عن محمد بن النعمان يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا معضل.

وقال ابن أبي حاتم في " العلل " ( 2 / 209 ) : سألت أبي عن حديث رواه أبو موسى محمد ( بن ) المثنى عن محمد بن النعمان أبي النعمان الباهلي عن يحيى بن العلاء عن عمه خالد بن عامر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يعق والديه أو أحدهما فيموتان فيأتي قبره كل ليلة ؟ قال أبي : هذا إسناد مضطرب ، ومتن الحديث منكر جدا كأنه موضوع". ا.هـ

 

 

.

الجمعة، 17 يوليو 2020

الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول


بسم الله الرحمن الرحيم

الدليلُ بالفعلِ أرشدُ من الدليل بالقول

قال ابنُ الجوزي (ت597هـ) -رحمه الله- في "صيد الخاطر" ص158 – 159:

"فصل: أنفعُ المشايخِ في صحبتِه العاملُ بعلمه

لقيتُ مشايخ، أحوالُهم مختلفة، يتفاوتون في مقاديرهم في العلم، وكان أنفعُهم لي في صحبته العاملَ منهم بعلمه، وإن كان غيرُه أعلمَ منه...

الأربعاء، 8 يناير 2020

تلك الشمائل


بسم الله الرحمن الرحيم
تلك الشمائل
الحمد لله اللطيف بعباده، الحكيم في أقداره، الحمد لله على كلِّ قدَرٍ قضاه، وكلِّ أمر شرَعَه وارتضاه، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد في السّرّاء والضراء، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد
فأسطر هذه الكلمات الموجزات عن معلمتي وصديقتي الغالية سكينة رحمها الله وغفر لها وأسكنها الفردوس الأعلى، بعد مضي شهر وبضع ليالٍ من وفاتها المؤرَّخ يوم السبت (3/ 4/ 1441هـ)، إثر أن فُجِعتْ القلوب بذلك الخبرِ الشديدِ وقعُه على كلِّ من عرف تلك الريحانة الإنسانة الطيبة.
صحبتها وبقيتُ على تواصلٍ معها قريبًا من تسع سنوات

الجمعة، 30 سبتمبر 2016

إنّما الأمرُ من هاهنا

                            
جاء في "معارج القبول" للعلامة حافظ الحكمي:
"وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ:
لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الشَّامَ اسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ، فَقَالُوا: لَوْ رَكِبْتَ بِرْذَوْنًا* يَلْقَاكَ عُظَمَاءُ النَّاسِ وَوُجُوهُهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: ألا أراكم ههنا، إِنَّمَا الأمر من ههنا، فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: إِسْنَادُهُ كَالشَّمْسِ".

قوله: "إنّما الأمر من هاهنا"
يقصد بالأمر أن فلاح المرء وسداده ونجاحه في أموره، وتحقق مصالح وأموره الدينية والدنيوية، إنما هو "من هاهنا وأشار إلى السماء" يعني بيد الله وتسخيره وتدبيره، وأن المرء عليه أن يفوّض أمرَه إليه، ويُعظِم التجاءه إليه سبحانه وتعالى؛ فإن الأمر بيده.

التعليق على معارج القبول للشيخ حافظ الحكمي
للدكتور عبد الرزاق البدر حفظه الله
27-12-1437هـ


*البِرْذَون: يُطلق على غير الْعَرَبِيّ من الْخَيل وَالْبِغَال من الفصيلة الخيلية عَظِيم الْخلقَة غليظ الْأَعْضَاء قوي الأرجل عَظِيم الحوافر (مج) (ج) براذين. "المعجم الوسيط".

الجمعة، 27 فبراير 2015

العناية بسير القُدُوات من أعظم وسائل الثبات

من وسائل الثبات على الحق والهدى : العناية بسير القدوات من عباد الله والصفوة من عباده تأملًا في سيرهم ونظرًا في أخبارهم وشمائلهم ومناقبهم وخصالهم العظيمة وخلالهم المباركة ؛ فإن ذلك من أعظم المعونة على الثبات على الحق والهدى، وخاصة سير النبيين صفوة عباد الله وخيرتهم من خلقه فإن قصصهم فيها عظة وعبرة وفيها معونةٌ على الثبات والاستقامة على الحق والهدى { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود:120] ، فذِكر الله تبارك وتعالى لقصص النبيين في القرآن الكريم ليس لمجرد معلوماتٍ نعرفها وقصصٍ وأخبار نقف عليها ، وإنما المراد من ذكر هذه القصص أن يأخذ منها المؤمن العبرة والفائدة { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى }[يوسف:111] ؛ فقصصهم عبرة وعظة للمؤمن .
ولهذا ينبغي على المسلم الحريص على الثبات على الحق والهدى أن تعظم عنايته بقصص النبيين وأخبار المرسلين ولاسيما أخبار وسيرة خيرهم وصفتهم نبينا محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه ، وقد قال الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }[الأحزاب:21] ، وكلما عظمت عناية العبد بسير وأخبار هؤلاء الصفوة عظمت محبته لهم، وكلما عظمت محبته لهم في قلبه عظم اتباعه لهم وسيره على منهاجهم؛ فكان بذلك من الخير أقرب.
وانظر -رعاك الله- عندما توجه كثير من الشباب والشابات إلى قراءة قصص وأخبار أقوامٍ لا خلاق لهم كيف أن تلك القراءة لقصص هؤلاء جنت على فكر هؤلاء الشباب والشابات ، وكيف أنها صارت موجبًا لانحرافهم وبُعدهم عن الجادة السوية ؛ وهذا مما يبين لك أن قراءة السير أيًّا كانت مؤثرة في المرء ولابد . ولا ينبغي أن يقول الشاب مجرد سير وأخبار أقرأها للتسلية وتمضية الوقت ، فهي في الحقيقة ليست كذلك ليست مجرد تسلية ولا تمضية للوقت وإنما هي في الحقيقة سلب للإيمان وللفكر والعقل وتلويث للعقول وإمراض لها ، خاصة من تفننوا في باب القصص في حرف العقول عقول الناشئة والشباب ، وقُل مثل ذلك في المسلسلات والتمثيليات التي فُتن كثير من الشباب والشابات بها كيف أنها مع الوقت أثرت على عقولهم وأثرت على إيمانهم وأثرت على أخلاقهم وآدابهم تأثيرًا عظيمًا .
ولهذا ينبغي أن يكون المرء حازمًا مع نفسه ، وأن لا يجعل مطالعته للسير إلا لسير من في قراءة سيرهم غنيمة ومطالعة أخبارهم مصلحة وفائدة، من حياة القلوب وتجدد الإيمان وصلاح المعتقد وقوة التوكل وحُسن العمل ونحو ذلك كما قال القائل :
كرر عليِّ حديثهم يا حادي   فحديثهم يجلو الفؤاد الصادي
إي والله، هذا شان حديث وسير وأخبار الصالحين ؛ فلها أثر عظيم جدًا على القلوب . ولهذا ينبغي على المسلم الناصح لنفسه أن يُعنى بقراءة سير النبيين وأخبار المرسلين وسير أتباع النبيين ، وخير أتباع النبيين الصحب الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }[آل عمران:110] ، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ }[التوبة:100] ، ولا يكون المرء متبعًا لهم بإحسان إلا إذا عرفهم ؛ عرف أخبارهم وعرف سيرهم وأحوالهم وجاهد نفسه على متابعتهم والسير على منهاجهم القويم ، فهذا بابٌ شريفٌ ومهم للغاية .
وأنت أيها الموفق عندما تقرأ سير النبيين عليهم صلوات الله وسلامه تجد في كل قصة من تلك القصص ما يعينك في قوة الدين وثباته وزيادة اليقين والتوكل على الله سبحانه وتعالى ؛ فإذا قرأت صبر نوح بالدعوة ومناصحته لقومه وعمله على هدايتهم وأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو يدعو قومه ليلا ونهارا سرًا وجهارًا في صبرٍ عظيم ومجاهدةٍ بالغة يكون لهذه القراءة أعظم الأثر عليك . إذا قرأت صبر زكريا عليه السلام على المصيبة التي ابتلاه الله تبارك وتعالى بها وحُسن التجائه إلى الله واعتصامه به وتوكله عليه كان لذلك أعظم الأثر عليك . إذا قرأت قصة يوسف عليه السلام وهي مليئة بالعبر والعظات وتأمل قصته مع امرأة العزيز وكيف أنها راودته عن نفسه وتهيأت له وهي ذات منصب وجمال وتوافرت في ذلك الموقف مغريات كثيرة جدًا كافي القليل منها للإطاحة بكثير من الناس في حمأة الرذيلة ، ومع تعدد المغريات وتنوعها قال: {مَعَاذَ اللَّهِ} ، وقال كما في تمام القصة {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} . فلما يقرأ مثل هذه القصص وهذه الأخبار ولاسيما أخبار خاتم النبيين وصفوتهم وخيرهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كم لهذا من الأثر ، ولهذا الناس بحاجة إلى قراءة السيرة وقراءة الشمائل شمائل النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه لتكون هذه القراءة مُعينًا لهم بإذن الله تبارك وتعالى على الثبات على الحق والهدى .

من محاضرة "وسائل الثبات على الدّين" للدكتور عبد الرزّاق البدر حفظه الله.
رابط المحاضرة كاملة مع التفريغ


السبت، 8 نوفمبر 2014

جزء من محاضرة "التحذير من دعاة السّوء وبيان خطرهم على بلاد الحرمين"

الدّين إنما يحميه الله سبحانه بأهله، فإذا قصّر أهله جلب علينا أهل الشرّ، تكالب علينا الأعداء، {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.
إنّه يجب على العلماء، يجب على الخطباء، يجب على الدعاة، يجب على المدرسين أن يقوموا بهذا الأمر، وأن يعلموا الخطر الذي يحيط بهم ويحدق بهم؛ فيعملوا لصدّه وإبطاله، وأن يتنبهوا لدعاة الضّلال ووسائل الإعلام المنحرفة، وسائل التواصل الاجتماعي الإنترنت وغيره، يتنبهوا لذلك غاية الانتباه، وإلا فالأمر خطير والبلاء كبير ولكن كلُّ ذلك يضعف مع إعانة الله أو ينقطع مع إعانة الله سبحانه وتعالى، هذه مهمتنا في هذه البلاد وفي هذا الزمان وفي هذا المكان الذي هو أشرف مكان في الأرض، الحرمان الشريفان مكة والمدينة هي أشرف بقاع الأرض، فيجب أن تبقى نقية يرتداها الناس، ويصدر منها الخير، ولا يبقى فيها موطن قدم لدعاة الضّلال والمتربصين بالمسلمين بالسّوء، يجب الانتباه لهم.
ولكن الواجب يختلف من إنسان لآخر، يجب على العلماء ما لا يجب على من دونهم، يجب على الولاة ما لا يجب على من دونهم، يجب على كل أحد حَسَب مركزه في هذا المجتمع ومنصبه في هذا المجتمع أن يكون على ثغرة من ثغرات الإسلام، يحافظ عليه، ويدافع عنه، ويعين إخوانه؛ حتى تتماسك الأيدي، وتتضافر الجهود، فالحق لا ينتصر بنفسه دون حَمَلة ودون دعاة ودون مجاهدين، لا ينتصر إلا إذا قام به من يحميه، ويدافع عنه، ويبلّغه للناس، {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} هذا واجب العلماء، وهذا وقت الحاجة إليهم أشدّ من ذي قبل، هذا وقت الحاجة أشدّ من ذي قبل، وأهل الحق وأهل الدعوة وأهل الخير يكونون غرباء في آخر الزمان، عليهم أن يثبتوا في حقهم ولا يتزحزحوا، حتى يأتي الله بنصره وإعانته، {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ}.
إنّ المهمّةَ عظيمة في هذه البلاد، إنّ الموقف حرجٌ للغاية، إنّ الخطر عظيم، يجب الانتباه، يجب على كل مسلم بحَسَبِ قدرته أن ينصر هذا الدّين وهذه العقيدة، أن يكون عينًا ساهرة لحفظ هذا الدّين، أن يكون عُضْوًا عاملاً في هذا المجتمع، وإلا إذا تخاذلنا أو تواكلنا أو ضعفنا فإنّ الله سبحانه وتعالى يأتي بقومٍ آخرين. الله لا يُضيع دينه أبدًا، إذا تولّى عنه قوم هيأ الله له آخرين، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)}.

جزء من محاضرة "التحذير من دعاة السّوء وبيان خطرهم على بلاد الحرمين" للعلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله.
ألقيت يوم الخميس 6 / 1/ 1436ه
رابط المحاضرة كاملة


الجمعة، 7 نوفمبر 2014

العُجب (خطورته وأسبابه وعلاجه)

تعريف العُجْب:
هو رؤية النفس والزهو. يرى نفسه إما في صورته أو في هيئته أو في ممتلكاته أو في علمه أو في غير ذلك من أموره.

الفرق بين العُجْبِ والكِبْر:
-العجب بوابة الكبر وسبب من الأسباب التي تفضي بالإنسان إلى الكبر.
-والكبر يستدعي وجود متكبر عليه، بخلاف العجب فإنه مقصور على الانفراد.

خطورة العُجب:
1- قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} (المعارج: 27).
هذا ذكره الله -عزّ وجلّ- في سياق أوصاف المؤمنين الكُمّل الذين منّ الله عليهم بكمال الإيمان، ومع هذا الكمال في الإيمان هم مشفقون من عذاب الله، ويرون أنفسَهم مقصرين في جنب الله، وفي حق الله سبحانه وتعالى. على العكس من الشخص المعجَب بنفسه، فإنه يكون مقصرًا في جنب الله مفرطًا لكنه مغتر بهذا العجب الذي أصاب قلبه، فلا يكون من أهل هذا الوصف، ولهذا قال الحسن: "إن المؤمن جمع بين إحسان ومخافة، والمنافق جمع بين إساءة وأمن".
2- روي عن ابن مسعود –رضي الله عنه- أنه قال: "الهلاك في اثنتين: القنوط والعجب".
أي القنوط من رحمة الله، {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} (الحجر: 56)، فالقنوط من رحمة الله من موجبات الهلاك. والعجب أي بالنفس أيضًا من موجبات الهلاك.
ومعلوم أن موجبات الهلاك كثيرة، لكن لماذا خصّ هاتين الاثنتين؟
قال أهل العلم: القانط لا يطلب السعادة؛ لأن القنوط الذي عنده سيطر عليه وأوقفه عن العمل في طلب السعادة، فيكون هذا موجبًا لهلاكه.
والمعجب بنفسه أيضًا لا يعمل على طلب السعادة؛ لظنه أنه نالها، وأنّ أمور السعادة كلها متوفرة فيه، وأنه لا أحسن منه، فلا يعمل على طلب السعادة؛ فيهلك.
يقول الشيخ حافظ الحكمي –رحمه الله-:
والعُجْبَ فاحذرْه إنّ العُجْبَ مجترِفٌ
أعمالَ صاحبِهِ في سَيْلِهِ العَرِمِ

مَثَّلَ العجبَ بالسَّيل الجارف. ولهذا العجب من أخطر ما يكون على الأعمال؛ لأنه يجترف الأعمال. مثلما أنّ القنوط يوقف الأعمال عند القانط فالعجب أيضًا يجترف الأعمال.

من مسبِّبات العُجْب:
1- الثناء والمبالغة في المدح
عن أبي بكرة –رضي الله عنه- أن رجلاً ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأثنى عليه رجلٌ خيرًا فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ويحك، قطعت عنق صاحبك" ردده مرارًا. ثم قال: "إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسبه كذا وكذا -إن كان يرى أنه كذلك- وحسيبه الله، ولا أزكي على الله أحدًا" رواه البخاري ومسلم.
دلّ الحديث على أنّ من أعظم أسباب العجب وموجباته الثناء.
قد يحفظ الإنسان يعني مثلاً قليلاً من النصوص أو يقرأ قليلاً من الكتب ثم يسمع بعض الناس يبالغون في مدحه؛ فيسيطر عليه العجب ويظن أنه من أعلم الناس وأنه من أفقه الناس.
أو مثلاً كثير من الطلاب يُهلكون مشايخَهم، يكون طالبًا مبتدئًا، ويرى الشيخ مثلاً يعيد إعدادًا جيدًا ويأتي ويلقي إلقاءً جيدًا فيقول: هذا ابن تيمية، وهذا ابن قيم زمانه، ويسمع هذه الكلمات تقال عنه، أنه ابن تيمية وأنه ابن عثيمين وأنه كذا، فيغتر، مهلكة الثناء والمدح هذا مهلكة لطالب العلم، مهلكة له، كثير من المبتدئين يهلكهم هذا المدح، ويجعله يصاب بشيء من الغرور. ولهذا جاء في الحديث الآخر"المدح الذبح".
ثم قال: "إن كان أحدكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسبه كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك".
ما يأتي بمثل هذا الثناء العريض الواسع المبالغ فيه، إذا كان ولا بد مادحًا يقول: أحسبه كذا وكذا.
"كذا وكذا" يذكر الأوصاف التي يظن أنها موجودة فيه، يقول: أحسبه من أهل الصدق، أحسبه من أهل الوفاء، أحسبه من أهل العلم، أحسبه من أهل الديانة والنصح.
"إن كان يرى أنه كذلك" أيضًا بهذا القيد، أما إذا كان لا يرى أنه كذلك أيضًا لا يجوز أن يقول: أحسبه كذلك.
قال: "وحسيبه الله، ولا أزكي على الله أحدًا" وهذه كلمة فيه اتزان وتوسط واعتدال.
فإذا كان ولا بد من الثناء فليكن بهذه الطريقة.
2- التصدّر للوعظ والتذكير
لأحمد بسند جيد عن الحارث بن معاوية أنه قال لعمر -رضي الله عنه-: إنهم كانوا يراودونني على القَصَص، فقال: أخشى أن تقص فترتفع عليهم في نفسك، ثم تقص فترتفع حتى يخيل إليك أنك فوقهم في منزلة الثريا، فيضعك الله -عزّ وجلّ- تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك".
قال: "ولأحمد بسند جيد عن الحارث بن معاوية أنه قال لعمر -رضي الله عنه-: إنهم كانوا يراودونني على القصص"
وهذا مدخل من مداخل العجب، ينبه عليه عمر رضي الله عنه، عندما يتصدر الإنسان للوعظ والتذكير والخطابة ويرى مثلاً الناس يتأثرون، فيقول: إذا كان أنا أثّرت فيهم هذا التأثير إذًا أنا أحسن منهم، إذا كنت تسببتُ في بكائهم وفي هدايتهم إلخ، إذًا أنا أفضل منهم، فيبدأ يدخل إليه العجب، ثم مع المرة تلو الأخرى حتى يهلك -والعياذ بالله- يقول: أين هؤلاء وأنا؟ كل الشيء الذي حصل عندهم من إيمان وهداية أنا الذي، وأنا الذي وأنا الذي، حتى يهلك والعياذ بالله.
إذًا الخطابة والوعظ أيضًا باب من أبواب العجب، ويحتاج الإنسان إلى معالجة لنفسه في هذا الباب، وإلا يهلك، وتكون مصيبته عظيمة، الناس تهتدي على يديه وتستفيد وتستقيم وتصلح أحوالهم وهو في هلاك.
ومن عظيم الدعاء، وأثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية وهو لأحد التابعين، قال: "اللهم لا تجعلني لغيري عبرة، ولا تجعل غيري أسعد بما علمتني مني".
وذلك إذا كان الإنسان يعلِّم الآخرين ولكن ليس عنده هو همّة في العمل، فيستفيد الناس وينتفعون وتصلح أحوالهم وتستقيم أحوالهم على يديه لكن هو في درب آخر.
أورد ابن الجوزي –رحمه الله- في كتابه "القصاص والمذكرين" كلمة عظيمة لميمون بن مهران، ذكر القُصَّاص -رحمه الله- فقال كلامًا عجيبًا، قال:
"المستمعُ شريكُ المتكلِّم، ولا يخطئ المتكلِّمَ إحدى ثلاث: إما أن يُسمِّنَ قولَه بما يُهْزِلُ دينَه، وإما عُجْبٌ بنفسه، وإما أن يأمرَ بما لا يفعل. والمستمع أيسر مؤونة، المستمعُ ينتظر الرّحمة، والمتكلِّمُ ينتظر الـمَقْتَ".
وقوله: "إما أن يُسمّن قوله بما يهزل دينه" أي: يعتني بصناعة تنميق الكلام وتحسين الكلام حتى الناس تعجب بطريقته وأسلوبه إلخ.
ففي هذا الأثر تنبيه على خطورة هذا الأمر، وأن الوعظ والتذكير والقصص إلى غير ذلك ينبغي أن يُلحظ فيه هذا الملحظ حتى لا يدخل الإنسان منه إلى باب عجب؛ فيهلك عياذًا بالله سبحانه وتعالى من ذلك.

مداواة العُجْب:
العجب تكون مداواته ومعالجة النفس منه بأمور:
أولاً- اللجوء إلى الله، "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكّاها، أنت وليها ومولاها".
ثانيًا- أن تذكر الذنوب، كلما تحرك في نفس الإنسان شيءٌ من العجب مباشرة يذكرها بالصفحة الأخرى التي فيه. إذا أُعجب بشيء من أعماله يقلب الصفحة على الجانب الآخر الذي هو موجود فيه، يذكرها: بأني مقصر في كذا، ومقصر في كذا، ومفرط في كذا، ولا أفعل كذا إلخ، فهذا يطفئ هذه الجمرة التي بدأت تتقد في قلبه.
وللبيهقي عن أنس –رضي الله عنه- مرفوعًا: "لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أشد من ذلك: العجب".
النبي -عليه الصلاة والسلام- خاف على الأمة العجب أشد من خوفه عليهم من الذنوب،  يعني أن وجود الذنوب من الإنسان فيها سلامة له من العجب، وذلك كلما بدأ يتحرك في نفسه الإعجاب، إذا أعجب بشيء من علمه، أو أعجب بشيء من عبادته، أو أعجب بشيء من بره وإحسانه، أو أعجب بشيء من صدقاته، وبدأ يصيبه العجب قال: انظر الذنوب التي عندك، ويبدأ ينظر في الذنوب؛ فيزول عنه العجب.
والذنوب عمومًا الإنسان يعترف أنه مقصر فيها، فيرجو التوبة، لكن العجب هو أصلاً يرى صلاح نفسه، يرى أنه لا أحسن منه، حتى التوبة يمكن ليس لها مجال عنده، لأنه سيطر عليه العجب فأنساه كل شيء.
ثالثًا- رؤية التقصير في جنب الله، حتى في الأمر الذي أُعجب به، إن كان أعجب بعبادة معينة يفعلها، فلينظر إلى تقصيره في هذه العبادة، وأن حق الله سبحانه وتعالى أعظم، قد قال -عليه الصلاة والسلام-: "لن يدخل أحد الجنّة بعمله، إلا أن يتغمده الله برحمته، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته".
رابعًا- أن يتذكر نعمة الله عليه، إذا أُعجب الإنسان بشيء لا ينظر إلى نفسه، بل يقول: هذا فضل الله عليّ، لولا فضل الله عليّ لما حصل لي هذا الأمر.
ولهذا قال العلماء: إن دواء العجب أن تقول: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله"، {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} (الكهف: 39) إذا دخلت جنتك، بيتك، ورأيت مثلاً الأثاث الجميل، والزروع الجميلة وبدأ تُعجب بهذا الشيء قل: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله"، ذكّرْ نفسك بالنعمة، وأن هذه نعمة الله عليك، ولولا أن الله أنعم عليك بها لما كانت عندك، فهذا أيضًا يطرد العجب.
جمع هذه الأشياء الإمام حافظ حكمي -رحمه الله تعالى- في منظومته في الآداب، قال:
لا تُعجبَنَّ به يحبطْ ولا ترَهُ
في جانبِ الذّنبِ والتقصيرِ والنِّعَمِ

"ولا تره" يعني لا ترَ عملَك رؤيةَ إعجاب به في جانب الذنب والتقصير والنعم.
مباشرة إذا بدأت نفسك تتحرّك عُجْبًا بعملك، ذكّرها بهذه الأمور الثلاثة: الذنب والتقصير والنعم.
الذنب: اقلبْ الصحفة على الجانب الآخر فيك، إذا أُعجبتَ بالأعمال ذكّرْها بالذنوب التي عندك.
التقصير: ذكِّرْها بالتقصير حتى في العمل نفسه الذي أُعجبت به.
النعم: ذكِّرْها بالنعم، أن هذا فضل الله عليك، ولولا فضل الله عليك لما كنت كذلك.


المرجع:
الشرح الصوتي لكتاب الكبائر" للدكتور عبد الرزاق البدر حفظه الله (باختصار وتصرّف).
الرابط

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2014

التفريق بين العلماء ومَن تشبّه بهم وليس منهم


ذكر شيخُ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب –رحمه الله- ستّةَ أصولٍ عظيمة، ووصفها بأنها "أصول بيّنها الله تعالى بيانًا واضحًا للعوامّ، فوق ما يظنّ الظّانّون، ثم بعد هذا غلط فيها كثيرٌ من أذكياء العالم، وعقلاءُ بني آدم إلا أقلَّ القليل"[1].
وذكر من هذه الأصول:
"بيان العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، وبيان من تشبه بهم وليس منهم.
وقد بيّن الله هذا الأصل في أول سورة البقرة من قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}[2] إلى قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}[3].
ويزيده وضوحًا ما صرّحت به السنّةُ في هذا الكلام الكثير البيّن الواضح للعاميِّ البليد، ثم صار هذا أغربَ الأشياء، وصار العلمُ والفقهُ هو البدع والضّلالات، وخيارُ ما عندهم لَبْسُ الحقِّ بالباطل، وصار العلمُ الذي فرضه الله تعالى على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديقٌ أو مجنون، وصار مَن أنكره وعاداه، وصنّف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم"[4].

قال الشيخ محمد بن عثيمين –رحمه الله- في تعليقه على هذا الأصل:
فلا بدّ من معرفة من هم العلماء حقًا، هم الربّانيّون الذين يربّون الناس على شريعة ربّهم، حتى يتميز هؤلاء الربّانيّون عمن تشبه بهم وليس منهم، يتشبه بهم في المظهر والمنظر والمقال والفعال، لكنه ليس منهم في النصيحة للخلق، وإرادة الحقّ، فخيار ما عنده أن يلبّس الحق بالباطل، ويصوغه بعبارات مزخرفة، يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، بل هو البدع والضّلالات الذي يظنّه بعض الناس هو العلم والفقه، وأنّ ما سواه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون.
وكأنه يشير إلى أئمة أهل البدع المضلّين، الذين يلمزون أهل السنّة بما هم بريئون منه؛ ليصدّوا الناس عن الأخذ منهم، وهذا إرث الذين طغوا من قبلهم، وكذّبوا الرسل، كما قال الله تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ}[5]، قال الله تعالى: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}[6] اهــ[7].




[1] "شرح الأصول الستة" لمحمد بن عثيمين. إعداد فهد بن ناصر السليمان. ط4- دار الثريا: 1426هــ- 2005م. ص141
[2] (البقرة: 40).
[3] (البقرة: 47).
[4] نفس المصدر. ص163
[5] (الذاريات: 52).
[6] (الذاريات: 53).
[7] نفس المصدر. ص167- 168.