‏إظهار الرسائل ذات التسميات صدى المنبر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صدى المنبر. إظهار كافة الرسائل

السبت، 6 فبراير 2016

جزء من خطبة (القِصاص..حِكم وأحكام) لفضيلة الدكتور عبد الرحمن السديس

إنّ الإسلام دينُ السّلام، وما شُرِعَت أحكامُ الشريعة إلا لمصالِح العبادِ في المعاشِ والمعاد، وحيثُما وُجِدَت المصلحةُ المُتيقَّنة فثَمَّ شرعُ الله؛ فشريعتُنا إعمارٌ لا دمار، بناءُ ونماءٌ لا هدمٌ وفناءٌ، إشادةٌ لا إبادة.
وما تعمَدُ إليه فِئامٌ مارِقةٌ ضالَّةٌ آبِقة، يمتشِقُون أسَلاتهم الناهِشة من إيقاظِ الفتنِ النائِمةِ، في أفكارٍ حالِمة، ومناهِجَ هائِمة، تعمَدُ إلى سَفكِ الدمِ الحرامِ، والعُتُوِّ في الأرضِ والإجرام، ومُحاولة طمسِ مُكتسَبَاتِ هذه الديار المُبارَكة، وتدمير مُنشآتِها ومُقدَّراتها، التي هي رمزُ قوَّتها، وعبْضُ سَطوتها المَتين، وأهبَتها بين العالَمين، وتقتيل الأبرياء والعُزَّل.
بل والأدهَى والأمَرُّ: التطاوُلُ على بيوت الله، والإضرارُ بالمساجِد ودُور العبادة، وانتِهاكُ حُرماتها، وترويعُ الساجِدين الآمِنين. كلُّ ذلك وأقلُّ منه يتنافَى مع مقاصِد شريعتِنا السامِية.
ولقد صحَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ كحُرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا»؛ متفق عليه.
قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: فوالذي نفسي بيدِه؛ إنها لوصيَّتُه لأمَّته: «فليُبلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ، ألا لا ترجِعوا بعدي كُفَّارًا يضرّبُ بعضُكم رّقابَ بعضٍ».
وصحَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أولُ ما يُقضَى بين الناسِ يوم القيامة في الدماء»؛ متفق عليه.
قال الحافظُ ابن حجرٍ - رحمه الله -: "وفي هذا الحديثِ: عِظَمُ أمر الدم، فإن البداءَةَ إنما تكونُ بالأهم، والذنبُ يعظُمُ بحسبِ عِظَمِ المفسَدة، وتفويتِ المصلَحة، وإعدامُ البِنيَةِ الإنسانيَّة غايةٌ في ذلك، وقد وردَ في التغليظِ في أمر القتلِ آياتٌ كثيرة، وآثارٌ شهيرة". اهـ كلامُه - رحمه الله -.
وروى الإمام مسلمٌ في "صحيحه": أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنها ستكونُ هنَاتٌ وهنَّاتٌ، فمن أرادَ أن يُفرِّقَ أمرَ هذه الأمةِ وهي جَمِيعٌ، فاضرِبُوه بالسَّيفِ كائِنًا مَن كان».
فهذا هو العدلُ والإنصافُ لمن أراد أن يُفرِّقَ جمعَ الأمةِ أو يحرِقَ وحدَتها. كيف بمن يقتُلُ ويصنعُ المُتفجِّرات، ويعملُ على ترويجِها، ويسعَى جاهدًا إلى زعزعَةِ الأمن وعدم استِقراره، ونشرِ الذُّعرِ بين أفرادِ المُجتمع، وتهُونُ عليه أرواحٌ مُعلَّقةٌ بالمساجِد، ما بين راكعٍ وساجِد، وعابِدٍ قائِمٍ وهاجِد. وشريعةُ الرحمن البديعة لا يمرُقُ عن حُدُودِها مارِق، ولا يُفارِقُ جماعتَها غالٍ مُفارِق إلا تلَّ الحقُّ للحدِّ خدَّه، وأنصفَ العدلُ هزْلَه وجِدَّه.
ومن أجلِ كينُونةِ النفوسِ العَلِيلَة، الباطِشَةِ الشرِّيرة، ودفعِ القتلِ المُرِيع، رتَّب المولَى - جلَّ في عُلاه - العقوبةَ القُصوَى على هذه الجريمة النَّكراء، يقول - جلَّ شأنُه -: Description: الوصف: start-iconيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَىDescription: الوصف: end-icon [البقرة: 178]، ويقول تعالى: Description: الوصف: start-iconوَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَDescription: الوصف: end-icon [البقرة: 179].
وما ذاك إلا توطيدًا للأمنِ وحمايةً للمُجتمع، وقطعًا لدابِرِ الجريمة، واستِئصالاً لكلِّ ما يُؤدِّي إلى انتِشارِ الفوضَى.

قِف عن القتلِ فقد جاوَزتَ حدَّك

واتَّقِ اللهَ الذي إن شاءَ هدَّك
قِف عن القتلِ فإن القتلَ نارٌ
سوفَ تُصلِي رأسَكَ الخاوِي وزنْدَك

المصدر: 
بوابة الحرمين الشريفين
http://www.alharamain.gov.sa/index.cfm?do=cms.khutbah

السبت، 21 نوفمبر 2015

وقفات مع سورة الحجرات

وفي هذا العصرِ الزاخرِ بالصّراعاتِ الماديّة والاجتماعية، والظواهرِ السلوكية والأخلاقية، والمفاهيمِ المنتكسةِ حِيالَ الشريعةِ الربّانية، لا بدّ من الفيئة إلى أخلاق القرآن وآدابه؛ ففيه حقائق التربية الفاضلة، وأسس المدنية الخالدة؛ ولذلك كان سنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثرة موعظة الناس بالقرآن، بل كان كثيرًا ما يخطب الناس به، {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} (ق: 45).
معالي الشيخ أ.د عبدالرحمن السديس

خطبة رائعة مميزة، جديرة بالإنصات لها

صوتي
خطبتي الجمعة ٨-٢-١٤٣٧ من المسجد الحرام


الاثنين، 28 سبتمبر 2015

ليس من الرحمة تدليل الأبناء

ليس من الرحمة تدليل الأبناء


قال بعضُ العلماء: "إن التربية تختلفُ باختلاف الأزمان والبُلدان، فما لا يصلُح من قومٍ قد يصلُح عند آخرين، وما يحسُنُ في بلدٍ قد لا يحسُنُ في بلدٍ آخر، والعاقلُ من كان عنده لكل مقامٍ مقال، ولكل آنٍ شأن".
وليس من الرحمة ما يصنعُه بعضُ الآباء من تدليل أولادهم، ورفع المسؤولية عنهم، وترك الحبل لهم على الغارِب، يفعلون ما يشاءون، وينشأون كما يُريدون، وإنهم ليُلبِسونهم الذهب والحرير، ويُعدُّون لهم الفراشَ الوثير، ولا يرُدُّون لهم طلبًا، ولا يمنعونهم من شيءٍ وإن كان فقرُهم ظاهرًا، وبُؤسُهم مُشاهَدًا.
فينشأون مُترَفين لا يصبِرون على مكروه، ولا يثبُتون لحادثٍ، ولا يكتَفون بما تيسَّر، ولا يشكُرون على نعمة، إن اغتنَوا كانوا مُسرِفين، وإن افتقَروا كانوا بائسين مساكين. تخُور قواهم، وتضعُفُ عزائِمُهم لأدنَى مُصيبة، وتضيقُ صدورهم، وتفيضُ أعيُنهم بالدمع لو اتَّسَخت ثيابُهم، أو تأخَّر طعامُهم.
وما ذاك إلا نتيجةُ التربية السيئة، وعاقبة الحبِّ الكاذب، والرحمة الزائفة. وخيرُ الأمور أوساطها؛ فالذي لا يرحَمُ أولادَه لا يرحَمُ أحدًا بعدهم أبدًا.

من خطبة الحرم المكي "المسؤولية تجاه الأبناء" لفضيلة الشيخ أسامة خيّاط حفظه الله.
الجمعة 10 – 11- 1435 هــ

علاجات نبوية للهموم


علاجات نبوية للهموم والأحزان
أيها المكروب والمهموم والمبتلى، لك في دعاء الأنبياء أسوة، روى الإمام أحمد والترمذي بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم: "دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين، لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيء قط إلا استجاب الله له"، فتأمل هذا الدعاء العظيم، ففيه توحيد وتنزيه واعتراف، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ وَحَزَنٌ: اللَّهُمَّ إِنِّى عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِى بِيَدِكَ، مَاضٍ فِىَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِىَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِى كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِى عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِى، وَنُورَ صَدْرِى، وَجَلاَءَ حُزْنِى، وَذَهَابَ هَمِّي إِلاَّ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحاً -وفي لفظ: فرجًا- قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَنْبَغِى لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ. قَالَ: أَجَلْ يَنْبَغِى لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ"، وتعلّمها يشمل حفظها وفهمها والدعاء بها. وثبت في الصحيحين: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو عند الكرب بهذه الكلمات: لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله ربّ العرش العظيم، ربّ السماوات وربّ الأرض ربّ العرش الكريم"، فهذه الأدعية من العلاجات النبوية للهموم والأحزان، مَن أخذ بها مستقينًا شرح الله صدره وذهب عنه ما يجد. فإن وُفِّقتَ وصليتَ لله ركعتين فتضرّع
وسلْ من ربّك التوفيق فيها
وأخلصْ في السؤالِ إذا سألتَا
ونادِ إذا سجدتَ له اعترافًا
بما ناداه ذو النون ابن متّى
ولازم بابه قرعًا عساه
سيفتح بابَه لك إن قرعتا
وأكثر ذكره في الأرض دأبًا
لتُذكر في السّماء إذا ذكرتا

من خطبتي الجمعة من المسجد الحرام (12- 10- 1435ه)
للشيخ صالح آل طالب حفظه الله.

سكر التلاوم ينقض عرى التلاحم


سُكْر التلاوُم ينقض عرى التلاحم
إن التلاوُم ليس مثلَ اللَّوم؛ إذ:
اللَّوم يكونُ من جهة الناصِح إلى المُخطِئ
بخلافِ التلاوُم فكِلا المُخطِئَين يُلقِي باللائمة على الآخر، وهنا مكمَنُ التعامِي عن التصحيح.
إن أعظمَ نصرٍ للعدوِّ المُتربِّص: هو أن يرَى خصومَه في حالةٍ يُرثَى لها؛ من سُكر التلاوُم الذي ينقُضُ عُرَى التلاحُم في المُجتمع الواحد، فتقعُ شماتتُه على صرخات تلاوُمهم حتى ينتشِي.
لذلك كان لزامًا على عُقلاء المُجتمعات أن يتَّقوا هذه الخصلة الذَّميمة التي تُعمِي وتُصِمُّ، وربما فقأَت العين ولم تقتُل الصيدَ؛ إذ بالتلاوُم تتسعُ هُوَّة الخلاف حتى تصِل إلى درجة التخوين في الدين والأمانة والخُلُق، ومن ثمَّ تتفاقَم إلى أن تبلُغ حدًّا يتعذَّرُ معه الالتقاءُ والتوادُّ والتراحُم، والشعورُ بالمسؤولية الواحدة للمُجتمع المُسلم الواحد.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وحدة أمة الإسلام: «وهم يدٌ على من سِواهُم»؛ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.

من خطبة الحرم المكي 3 / 11/ 1435هـ
لفضيلة الدكتور سعود الشريم حفظه الله.

بعض معالم منهج السلف


بعضُ معالِم منهج السلف الصالِح أهل السنة والجماعة
من معالِم هذا المنهَج:
·      أنهم يلتزِمون مُقتضَى الدليل والمصلَحة الشرعيَّة، في جهادِهم، ودعوتهم وأمرهم بالمعروف ونهيِهم عن المُنكر، ومواقِفهم من أهل البِدع، بداعِي النُّصح لله ولرسوله ولجماعة المؤمنين، وليس بداعي الانتقام والتشفِّي والتشهير
·      يستُرون عيوبَ المُسلمين ولا يتتبَّعون عوراتهم، ولا يذكُرون أخطاءَ أهل العلم إلا لبيان الحق، مع لزوم الأدب، وحفظِ حقِّ كل ذي حقٍّ، ويلتمِسُون العُذر ما أمكَن؛ ذلكم أنّ من قلَّة الدين والفقه والورع وقِصَر النظر الظنَّ بأن المُخالِفَ تسقُطُ حقوقُه الشرعية، أو أن العدلَ معه ضعف، وإنّ من المُستقرِّ لدى أهل السنة والجماعة أنّ الله قد يُؤيِّد الدينَ بالرجل الفاجِر، وبأقوامٍ لا خلاقَ لهم، ولاسيَّما في حال الاضطراب والفتن.
·     ومن معالِم منهجِهم -منهج السلف الصالِح أهل السنة والجماعة- أن البِدع كسائر الذنوب، فيها الصغير والكبير، والظاهر والمُشتبِه، والمحفوظُ من حفِظَه الله، أما المُخالفةُ في التأويل والخطأ والجهل فسِيمةُ أكثر الخلق.
·      وإن من الدين والورع -حفظكم الله- أن يتَّهم المرءُ نفسَه ولاسيَّما ذوو الصلاح والعلم والفضل، ويُفتِّش في عيوبِه وينشغِل بها؛ حفاظًا على إيمانه، وخوفًا على نفسِه، ويقبلُ الحقَّ ممن جاء به، نعم إنّ أهل السنة والجماعة هم أكثرُ الناس ازدِراءً لأنفسهم، وأبعَدهم عن الكمال، لا يُزكُّون أنفسَهم لا بالألقاب ولا بالشِّعارات، {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} (النساء 13).
·      يقبَلون توبةَ التائب، واعتِذارَ المُعتذِر، ويرجُون للمُحسِن، ويخافُون على المُسيء، ولا يفرَحون لعثَرات العاثِرين، ولا يُحبُّون وقوعَ العُصاة في المعاصِي، ويدعُون لصاحِب المعصيَة بالهداية.
·      ويفقَهون معنَى الجهاد مع كل برٍّ وفاجِر في جهاد الميدان، وجهاد السياسة، وجهاد العلم، وجهاد الدعوة؛ لأن المقصود النِّكايةُ بالعدو المُستَبين لا يبخَسون الناسَ أشياءَهم، يرتكِبون أخفَّ الضرَرين، ويجتنِبون أكبرَ المفسدَتَين، ويصبِرون على أهوَن الشرَّين، ويختارُون أيسرَ الأمرَين.
·      والمُوالاةُ والمُعاداةُ في منهَجهم تكونُ على الحقائِق، لا على الدعاوَى والأسماء لا يشقُّون عن القلوب ولا يُنقِّبون عن السرائر، ولا يُسيئون الظُّنُون، ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلاًّ للذين آمنوا، أقوياء في الحقِّ من غير غلُوٍّ، ورُحماءُ بالخلق من غير تهَاوُنٍ، وأشدَّاءُ على أهل الضلال من غير تعسُّفٍ ولا جَور.
·      أهل السنة والجماعة مُتَّحِدون في منهَجهم وغاياتهم ومسلَكهم، مُتنوِّعون في مقاماتهم ومنازِلهم، فيهم العالِم، وفيهم المُجاهِد، وفيهم رجلُ الدعوة، وفيهم المُحتسِب، وكل من لم يلتبِس ببِدعةٍ فهو منهم. 
وسبيلُ الاتباع أقوَمُ السُّبُل وأهداها، وهو أرحبُها وأوسعُها، وقد وسِع ذلك السابقين من المهاجرين والأنصار والأعراب ومُسلِمة الفتح والطُّلقاء، وفي ذلك مراتِبُ من مقامات الإيمان ما لا يعلمُه إلا الله على حدِّ قولِه عزَّ شأنُه: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} (فاطر: 32)، فيحمِلُ بعضُهم بعضًا على هذا السبيل كلُّهم بفضل الله ورحمته إلى حُسن العاقبة صائِرون.

من خطبة الحرم المكي للشيخ صالح بن حميد حفظه الله
الجمعة 26 – 10- 1435هـ

أهدى طريق للنجاة من الفتن

أهدى طريق للنجاة من الفتن

 إنّ مِن عَجَائِبِ الأُمُور، ومِمَا يَحَارُ فِيهِ ذَوو العُقول، أن يُوجّهَ أصحَابُ السِهَامِ المَسمُومَة، والأنفُسِ الضَيقَةِ المَحْمُومَة، أسَلاتِهم المَشْؤومَة إلى دُرّةِ الأوطَانِ، ومَهْبِط الوَحْي ومَأْرِز الإيمَان، بِلادِ الحَرَمَين الشَرِيفَين، بِلادِ التَوحِيد والوِحْدَة، والقُرْآن والسُنَة التِي جَعَلَها الله مَثَابَةً للنَاسِ وأمْنًا وقِبْلَة.
أُمَةَ الإسْلام، وجِمَاعُ الخَيرِ كُلِه، وأَقْوَمُ سَبِيلٍ، وأَهْدَى طَرِيقٍ للنَجَاةِ مِنَ الفِتَنِ الحَوَالِك، والكُرَبِ الهَوالِك -هُو:
- الحَذَرُ مِنَ الفِتَنِ ودُعَاتِها، والفِتْنَةُ أشَدُ مِنَ القَتْل، والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ
- ولُزُومُ الجَمَاعَة وحُسْنُ السَمْعِ للإمَامِ والطَاعَة، وتَرْكُ التَفَرُقِ والتَحَزُب، والطَائِفِيةِ والتَعَصِب، كما قَالَ تَعَالَى: {واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَقَوا} (آل عمران: 103).
روى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَيةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبيَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبيَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، لاَ يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلاَ يَفِى بعهد ذي عهد، فَلَيْسَ مِنِّى وَلَسْتُ مِنْهُ ".
وفي حديث حذيفة في الفتن قال –صلى الله عليه وسلم- مبينًا سبيل النجاة منها: "تلزم جماعةَ المسلمين وإمامَهم" متفق عليه.
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال: "إنّ الذي تكرهون في الجماعة خيرٌ من الذي تحبّون في الفُرْقة".
إنّ الجماعةَ حبلُ الله فاعتصموا
منه بعُرْوتِه الوثقى لمن دانا
كم يدفعُ اللهُ بالسلطان معضلةً
في ديننا رحمةً منه ودنيانا
لولا الإمامةُ لم تؤمَن لنا سبلٌ
وكان أضعفُنا نهبًا لأقوانا


من خطبة الجمعة يوم 19/10/1435 د.عبدالرحمن السديس

اصبروا يا أصحاب الدعوات!

اصبروا يا أصحاب الدعوات!

قال الله تعالى في نبيه يونس عليه السلام: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} (الصافّات: 139 - 148).
يونسُ -عليه السلام- نبيٌ كريمٌ، ثبت في الصحيحين قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونسَ بن متى" (متفق عليه)، نبيٌ كريم من جملة أنبياءٍ كرامٍ، ذكرهم الله في سورة النساء والأنعام، وقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ}(الأنعام: 90). وإنّ الاقتداءَ العظيمَ في هذه القصة هو الهدي الذي قاله الله لنبيه: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} (القلم: 48)، فأصحابُ الدَّعوات، لا بد أن يحتملوا تكالفيها، وأن يصبروا على التكذيب والإيذاء من أجلها، وتكذيبُ الصادقِ الواثقِ مريرٌ على النفس، لكنّها التكاليف! فلا بدَّ لأتباع الرسل أن يصبروا ويحتملوا، ولا بدَّ أن يثابروا ويثبتوا، ولا بدَّ أن يكرّروا الدعوةَ ويُبدِئوا فيها ويعيدوا، ولا يجوز لهم أن ييأسوا من صلاح النفوس، واستجابة القلوب، مهما واجهوا من إنكار وتكذيب، ومن عتوٍّ وجحود. إنه من السهل على المصلحين أن يغضبوا لأن الناس لا يستجيبون، فيهجرون الناس، ولكن هذا لا ينصر الحقَّ، فالمؤمن يكظم غيظه ويمضي، وخير له أن يصبر، والعاقبة للمتقين، {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} (الحجر: 97- 99).

من خطبتي الجمعة من المسجد الحرام (12- 10- 1435ه)
للشيخ صالح آل طالب حفظه الله.

الأحد، 12 يوليو 2015

دعوة إلى التوبة في ختام رمضان

مقطع من خطبة الجمعة لسماحة المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ حفظه الله
جامع الإمام تركي/ الرياض
بتاريخ (23/ 9/ 1436هـ)


وإذ وفقنا الله جلّ جلاله، فأدركنا رمضان، وصمنا ما شاء الله من الأيام، وها نحن نعيش في لياليه وأيامه الأخيرة، فالواجب على كلّ مسلم أن يتوب إلى الله، ويستغفر عما مضى، ليسلم من ذنوبه.
أيها المسلم، إن كنتَ فيما مضى مشتغلًا بطاعة الله فاشكر الله على هذه النعمة، واسأله التوفيق والسداد والقبول، وإن كنت ممن أسأتَ فتب إلى الله في بقية هذا الشهر، فإن التوبةَ مقبولةٌ بفضل الله ورحمته؛ قال جلّ وعلا: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} (الشورى: 25).
وقال جلّ وعلا مبينًا محبة التائبين: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة: 222).
وقال جلّ وعلا: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} (النساء: 110).
ورغّبهم في التوبة، فقال: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53).
وأخبرهم أن التائبَ إلى الله -جلّ وعلا- من سيّئاته تُبدّل سيّئاته حسنات: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الفرقان: 70).
أخي المسلم، كلنا خطّاء، وكلنا مذنبون، وفي الحديث: "كلُّكم خطّاء، وخير الخطائين التوابون"، كلّنا خطّاء، كلُّنا فينا ذنوب ومعاصٍ وتقصير، فلنراجع أنفسنا، ولنتبْ إلى الله فيما بيننا وبين الله، من واجب تركناه، أو معصية ارتكبناها، ولنتب إلى الله من حقوق العباد، ونردّ المظالم إلى أهلها، ونفكر في واقعنا، فنتوب إلى الله من عقوق الوالدين، ومن أكل الربا، وشهادة الزور، ومن كل الذنوب والمعاصي، توبة صادقة نصوح، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (التحريم: 8).


الجمعة، 20 مارس 2015

النجاة في اتّباع سبيل المؤمنين

"النجاة في اتّباع سبيل المؤمنين"
خطبتي الجمعة 15 – 5-  1436هـ / 6-3-2015 م
من المسجد الحرام
لفضيلة الشيخ د.أسامة بن عبدالله خياط
إمام وخطيب المسجد الحرام
رابط الاستماع

وهذه جزء منقول منها مع قليل من الاختصار:

إنّ أقوى أسباب الانحراف الذي أورث أهله خطيئتين عظيمتين، هما:
1- الجرأة على الدم الحرام، والاستهانة به، وقلة أو عدم الاكتراث بما ورد فيه من الوعيد عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.
2-والولع بتكفير المسلمين، والولوغ في ذلك الإثم المبين، والمسارعة إليه بغير بينةٍ ولا فقهٍ ولا خشيةٍ من الله ولا مراقبةٍ له، ولا نزولٍ عند حكمه، ولا تركٍ لأهواء النفوس وشهواتها لمراده سبحانه.
إنّ أقوى وأظهر أسباب هذا الانحراف في قول أهل التحقيق من العلماء:
 1- مشاقة رسول الله
 2- واتباع غير سبيل المؤمنين في فهم كتاب الله تعالى، وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم
وذلك هو الذي نهى عنه وحذر منه وتوعّد مجترِحه بأن يصليه نار جهنم، فقال سبحانه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء: 115).
والذي يستوقف اللبيب ويسترعي انتباهه -يا عباد الله- كما يقول أهل التحقيق من العلماء أنّ الله لم يقتصر فيها على ذكر مشاقة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، بل قرن إليها اتباع غير سبيل المؤمنين ليدل بذلك على أن اتباع سبيل المؤمنين أو ضده أمر قد بلغ الغاية من الأهمية إيجابًا وسلبًا. ومؤدَّاه أن من اتبع سبيل المؤمنين فهو الناجي عند الله يوم القيامة، وعلى العكس منه من خالف سبيل المؤمنين فإنّ له نار جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا.
إنّ هذا هو منشأ ضلال طوائف كثيرة جدًا في ماضي الأيام وحاضرها، وفي قديم الدهر وحديثه، وذلك أنهم لم يلتزموا باتباع سبيل المؤمنين في فهم الكتاب والسنّة، وإنما ركبوا عقولهم، واتبعوا أهواءهم، وزُينت لهم آراؤهم، وأعجبتهم أنفسهم، فأوبقهم ذلك في أدهى المصائب، وأدّى بهم إلى أخطر العواقب. فكان هذا العقاب الأليم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جزاء وفاقًا على خروجهم على ما كان عليه سلف الأمة وخيارها. وفي الطليعة منهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين عدّلهم القرآن وزكاهم، وشهد لهم نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم بالخيرية والأفضلية والمنزلة الرفيعة، التي لا مطمع لأحدٍ بعدهم في أن يبلغها. فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا لم يبلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه" أخرجه الشيخان في صحيحيهما وأبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وأما الأحاديث الدالة على ما دلّت عليه الآية الكريمة، فمنها:
حديث عوف بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة". أخرجه ابن ماجه في سننه بإسناد صحيح.
ومنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فذكر الحديث بنحوه، وفيه قال قال عليه الصلاة والسلام لما سئل عن الفرقة الناجية: "ما أنا عليه وأصحابي" وإسناده حسن بمجموع شواهده، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكتف في هذا الحديث بقوله: "ما أنا عليه" ولكنه عليه الصلاة والسلام وهو الرؤوف الرحيم بالمؤمنين أوضح لهم أن علامة الفرقة الناجية أن تكون على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى ما كان عليه أصحابه من بعده.
وعليه فإنه لا يجوز أن يُقتصر في فهم الكتاب والسنّة على تلك الوسائل والعلوم التي اشترط العلماء العلم بها لمن تصدّى لبيان معاني الكتاب والسنّة، مثل معرفة اللغة والتمكن من أصولها وقواعدها، ومعرفة والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك، بل لا بد من الرجوع في كل ذلك إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا أخلص الأمة لله بعد نبيها صلى الله عليه وسلم، في العبادة، كانوا أفقه الخلق في معاني الكتاب والسنّة، وأعلم العباد بمعاني التنزيل، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "للصحابة فهمٌ في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين. كما أنّ لهم معرفةً بأمور من السنّة، وأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعرفها أكثر المتأخرين؛ فإنهم شهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم والتنزيل، وعاينوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله مما يستدلّون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين" اهـ.
وصدق رحمه الله، صدق رحمه الله، فما أكثر ما خفي على أكثر المتأخرين، من معاني القرآن والسنّة، بشؤم الإعراض عن هذا الفهم الصائب، والمرجعية المؤصلة المسدّدة.
فاتقوا الله –عباد الله- واعلموا أنه لا مندوحة عن اتباع سبيل المؤمنين في فهم الكتاب والسنّة، لمن أراد النجاة من الفتن التي أصابت كل مَن ركب عقلَه، واتبع هواه، وخرج عن سبيل المؤمنين، من الصحابة والتابعين، وأتباعهم بإحسانٍ من أهل القرون المفضلة، والأزمنة المقدّمة في الدين والإيمان والإحسان.
قال بعض أهل العلم بالحديث:
إنّ حديث الوصية بسنّة الخلفاء الراشدين المهديين وهو حديث العِرباض أنّه قال: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا : يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال : أوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ، والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل بدعة ضلالة". أخرجه الإمام أحمد في المسند وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه.
والشاهد منه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حضّ أمته في أشخاص أصحابه أن يتمسكوا بسنته، ثم لم يقتصر صلوات الله وسلامه عليه على ذلك، بل قال: "وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".
فإذا أردنا أن نفهم عقيدتنا أو أن نفهم عباداتنا، وأن نفهم أخلاقنا وسلوكنا فلا بد لنا من أن نعود إلى سلفنا الصالح لفهم هذه الأمور التي يتحقق فيمن فهمها وعمل بمقتضاها أنه من الفرقة الناجية.
ومن هنا ضلت طوائف قديمة وحديثة، حين لم يلتفتوا إلى الآية وإلى حديث سنّة الخلفاء الراشدين المهديين فكان أمرًا طبيعيًا جدًا أن ينحرفوا كما انحرف من سبقهم عن كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ومنهج السلف الصالح. ومن هؤلاء الخوارج قديمًا وحديثًا.
فاتقوا الله –عباد الله- واعلموا أن السلامة من الفتن والشرور كافة ومن فتنة التكفير واستباحة الدم الحرام خاصة:
1- هي باتباع سبيل المؤمنين في فهم معاني الكتاب والسنّة
هي باتباع سبيل المؤمنين في فهم معاني الكتاب والسنّة
هي باتباع سبيل المؤمنين فقط في فهم معاني الكتاب والسنّة
2- وبالحذر التام من مشاقة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ومن اتباع غير سبيل المؤمنين
إذ بهما – أي بالمشاقة وباتباع غير سبيل المؤمنين- تحصل أخطر العواقب، وتدهى به أعظم المصائب.