‏إظهار الرسائل ذات التسميات فوائد قرآنية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فوائد قرآنية. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2016

أصول عظيمة اشتملت عليها الآية (65) من سورة مريم



قال تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} (مريم: 65)


اشتملت على أصول عظيمة:

1-           على توحيد الربوبية، وأنّه تعالى ربّ كلِّ شيء وخالقه ورازقه ومدبّره.

2-           وعلى توحيد الألوهية والعبادة، وأنه تعالى الإله المعبود.

3-           وعلى أنّ ربوبيته موجبة لعبادته وتوحيده، ولهذا أتى بالفاء في قوله: {فاعبده} الدالة على السبب، أي فكما أنّه ربّ كل شيء؛ فليكن هو المعبود حقًا فاعبده.

4-           ومنه الاصطبار لعبادته تعالى، وهو جهاد النفس وتمرينها وحملها على عبادة الله تعالى، فيدخل في هذا أعلى أنواع الصبر وهو:

أ‌)                  الصبر على الواجبات والمستحبات

ب‌)          والصبر عن المحرّمات والمكروهات

ت‌)          بل يدخل في ذلك الصبر على البليات، فإن الصبر عليها، وعدم تسخطها، والرضى عن الله بها من أعظم العبادات الداخلة في قوله: {واصطبر لعبادته}.

5-           واشتملت على أنّ الله تعالى كامل الأسماء والصفات، عظيم النعوت، جليل القدر، وليس له في ذلك شبيه ولا نظير ولا سمي، بل قد تفرد بالكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات.

6-           ودلّ على أنّ هذا أكبر الأدلة على أنه الذي لا تنبغي العبادة الظاهرة والباطنة، القلبية والبدنية والمالية إلا لوجهه الكريم خالصة مُخلصَة، كما خَلُصَ له الكمال والعظمة والكبرياء والمجد والجلال.

7-           ومنها بطلان الشرك عقلًا ونقلًا، فكيف يليق بالعاقل أن يجعل المخلوق الناقص الذي لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا نِدًّا لمن لا كُفء له ولا سمي ولا مشابه بوجه من الوجوه، فهل هذا إلا من السفه والضلال والجهل المفرط والضرر من كل الوجوه!!

8-           ودلت على أنّ الشرك قد تقرّر في العقل قبحه، وأنّ التوحيد قد تقرّر في العقل حسنه، فكما لا سميّ لله فلا أحسن من عبادته وإخلاص العمل له، ولا أنفع للعبد من ذلك ولا أصلح ولا أزكى. ومن المتقرر شرعًا أن الإحسان في عبادة الله تعالى الذي هو سبب كل خير عاجل وآجل، بل سبب لأعلى المراتب وأكمل الثواب، هو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" فكلما حقق العبد هذا الأمر كان له نصيب وافر من العبادة، بل هو أهم الأمور، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل أن يسأل الله تعالى أن يعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته، وهذا أمر يقل من الخلق من يحققه ويتصف به على وجه الكمال، لمشقة ذلك على النفوس، فإذا امتثل العبد لأمر ربه بالاصطبار لعبادته، وحبس النفس وتوطينها على إحسان العبادة، خصوصًا أفضل العبادات وأعظمها، وهي الصلاة، كما أمر الله بالاصطبار عليها خصوصًا فقال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (طه: 132) استنار قلبه بالإيمان، وباشر حلاوته، فانجذب إلى عبادة الله وإخلاص العمل له، وعلم أنّ هذا هو الفلاح الدايم، والربح المتضاعف الذي لا خسارة فيه، فصبّر نفسه قليلًا ليستريح بأعظم اللذات طويلًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.



المرجع:
"المواهب الربّانية من الآيات القرآنية" للعلامة السعدي رحمه الله.
ص60- 62.

الاثنين، 28 سبتمبر 2015

مقياس العمل

مقياس العمل
قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} الآية (البقرة: 176).
معنى الآية: ليس الخير، أو كثرة الخير، والبركة أن يولي الإنسان وجهَه قبل المشرق والمغرب، أي جهة المشرق أو جهة المغرب.
وهذه الآية نزلت توطئة لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ فبين الله -عزّ وجلّ- أنه ليس البرَّ أن يتوجه الإنسان إلى هذا، أو هذا؛ ليس هذا هو الشأن؛ الشأن إنما هو في الإيمان بالله... إلخ؛ أما الاتجاه فإنه لا يكون خيرًا إلا إذا كان بأمر الله؛ ولا يكون شرًا إلا إذا كان مخالفًا لأمر الله؛ فأيَّ جهة توجهتم إليها بأمر الله فهو البرّ.
على هذا لا نقول: إنّ العبرةَ بالعمل، العبرةُ بنوع العمل، ما هو نوع العمل؟ هل هو طاعة لله أو ليس بطاعة؟
إن كان طاعة فهو برٌّ وخيرٌ، وإلا فليس ببرٍّ ولا خير، ولهذا:
·      السجود لغير الله كفر وشرك، وفي وقت من الأوقات حين أمر الله الملائكة بالسجود لآدم صار السجود لغير الله عبادة وتركه كفرًا، فسجد الملائكة لآدم ممتثلين لأمر الله، لا تعظيمًا لآدم كما يُعظّم الله.
·      قتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر، وفي وقت من الأوقات لما أُمر به إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- صار من أفضل الطاعات.
·      قطيعة الرحم من الكبائر، وفي وقت من الأوقات صارت خيرًا، فإنّ قتل الأب لابنه من أكبر القطيعة، ومع ذلك حين أُمر به إبراهيم صار من أفضل القربات.
فالشأن إذًا في طاعة الله عزّ وجلّ، ليس في العمل الذي تفعل، وإنما المقياس هل هو من أمر الله أو ليس من أمر الله؟!

المرجع: "تفسير سورة البقرة" و"شرح الأصول" للشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله.

الجمعة، 10 يوليو 2015

إنّ سعيَكم لشتّى


قال تعالى في سورة الليل:
{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4)}
قال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله تعالى-:
"أي: إنّ سعيَكم أيها المكلفون لمتفاوت تفاوتًا كثيًرا، وذلك:
v                      بحسب تفاوت:
§      نفس الأعمال
§     ومقدارها
§     والنشاط فيها
v                      وبحسب الغاية المقصودة بتلك الأعمال، هل هو وجه الله الأعلى الباقي؟ فيبقى السعي له ببقائه، وينتفع به صاحبه، أم هي غاية مضمحلة فانية، فيبطل السعي ببطلانها، ويضمحل باضمحلالها؟".

تعليق على قول المفسّر: " فيبقى السعيُ له ببقائِه، وينتفعُ به صاحبُه"
يؤخذ منه أن من علامات الإخلاص في العمل:
·     أن يستمرّ العبد عليه، لأنّ قصده به وجه الله الباقي سبحانه

·     وأن ينتفع به صاحبه بأن يزيده إيمانًا ويقينًا ومحبّة لله سبحانه وإقبالًا على الآخرة وإعراضًا عن الدنيا، فيكون حاله بعد العمل أفضل من حاله قبل. نسأل الله من فضله!

أنواع تلاوة القرآن

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة : 121]:
"(التلاوة) تطلق على:
1- تلاوة اللفظ>>> وهي القراءة
2- وعلى تلاوة المعنى >>> وهي التفسير
3- وعلى تلاوة الحكم >>> وهي الاتِّباع
هذه المعاني الثلاثة للتلاوة داخلة في قوله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ}
1- فالتلاوة اللفظية >>> قراءة القرآن باللفظ الذي يجب أن يكون عليه، معربًا، كما جاء، لا يغير.
2- والتلاوة المعنوية >>> أن يفسره على ما أراد الله، ونحن نعلم مرادة الله بهذا القرآن؛ لأنه جاء باللغة العربية، كما قال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ} [الشعراء : 195]، وهذا المعنى في اللغة العربية هو ما يقتضيه هذا اللفظ؛ فنكون بذلك قد علمنا معنى كلام الله عزّ وجلّ.
3- وتلاوة الحكم >>> امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وتصديق الأخبار.

وقوله {حَقَّ تِلاَوَتِهِ} يعني: التلاوة الحقة، أي: التلاوة الجِدّ، والثبات، وعدم الانحراف يمينًا أو شمالاً" .



ابن عثيمين. "تفسير القرآن الكريم" ط1 دار ابن الجوزي: الدمام، 1423هـ ص 35

السبت، 4 أبريل 2015

الاهتداء بالقرآن عند ملاقاة الأعداء

قال الله تعالى:
{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 146- 148).
هذا تسلية للمؤمنين، وحث على الاقتداء بهم، والفعل كفعلهم، وأن هذا أمر قد كان متقدمًا، لم تزل سنة الله جارية بذلك، فقال:
{وكأين من نبي} أي: وكم من نبي
{قاتل معه ربيون كثير} أي: جماعات كثيرون من أتباعهم، الذين قد ربتهم الأنبياء بالإيمان والأعمال الصالحة، فأصابهم قتل وجراح وغير ذلك.
{فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا} أي: ما ضعفت قلوبهم، ولا وهنت أبدانهم، ولا استكانوا، أي: ذلوا لعدوهم، بل صبروا وثبتوا، وشجعوا أنفسهم، ولهذا قال: {والله يحب الصابرين}.
ثم ذكر قولهم واستنصارهم لربّهم، فقال:
{وما كان قولهم} أي: في تلك المواطن الصعبة
{إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} والإسراف: هو مجاوزة الحدّ إلى ما حرم، علموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن التخلي منها من أسباب النصر، فسألوا ربهم مغفرتها.
ثم إنهم لم يتكلوا على ما بذلوا جهدهم به من الصبر، بل اعتمدوا على الله، وسألوه أن يثبِّت أقدامهم عند ملاقاة الأعداء الكافرين، وأن ينصرهم عليهم، فجمعوا بين الصبر وترك ضده، والتوبة والاستغفار، والاستنصار بربهم، لا جرم أن الله نصرهم، وجعل لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال:
{فآتاهم الله ثواب الدنيا} من النصر والظفر والغنيمة
{وحُسن ثواب الآخرة} وهو الفوز برضا ربهم، والنعيم المقيم الذي قد سلم من جميع المنكدات، وما ذاك إلا أنهم أحسنوا له الأعمال، فجازاهم بأحسن الجزاء، فلهذا قال: {والله يحب المحسنين} في عبادة الخالق ومعاملة الخلق، ومن الإحسان أن يفعل عند جهاد الأعداء، كفعل هؤلاء الموصوفين.


"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان" للشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله.

الجمعة، 12 ديسمبر 2014

ما التفرّق المنهي عنه؟


قال تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}
ذكر الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- في الفوائد المستنبطة من هذه الآية:

"تحريم التفرق في القلوب، لأن المدار على التفرق في القلوب، أما التفرق في الأبدان فضروري أن يتفرق الناس، كل الآن في بيته، وفي الأقوال أيضًا يتفرقون، وما أكثر الخلاف بين أهل العلم قديماً وحديثاً في المسائل العلمية، لكن الذي يجب على المسلمين أن يبعدوا عنه، هو التفرق بينهم في القلوب لأنه هو الذي عليه المدار، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» [رواه مسلم] فالمدار على القلوب. إذن في هذه الآية دليل على تحريم التفرق في القلوب حتى لو تفرقت الأبدان أو تفرقت الأقوال، فالواجب أن القلوب لا تتفرق، وكان اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في الاجتهاد المؤدي إلى التفرق في الأقوال لكن القلوب واحدة، لا يكره بعضهم بعضًا إذا خالفه في الرأي. بل إني أؤكد ما ذكرت سابقًا: إنه ينبغي للإنسان العاقل أنه إذا خالفه أخوه في رأيه بمقتضى الدليل عنده أن يكون ذلك أدعى إلى قوة المحبة له لأنه خالفه للدليل، والثاني أيضاً خالفه للدليل، فكان ينبغي عليه أن تكون محبته أقوى؛ لأن الرجل لم يحابني في ذات الله، وإنما قدَّم محبة الله. وأنا حينما أخالفه تقديماً لمحبة الله عزّ وجل، فالإنسان العاقل المؤمن هو الذي لا تزيده مخالفة أخيه له في الرأي تلك المخالفة المبنية على الاجتهاد إلا محبة له وتمسكًا به. خلافًا لما يفعله بعض الناس الآن ومع الأسف أنهم طلبة علم إذا خالفه أخوه في الرأي، مع أنه لا يعلم الصواب عنده أو عند أخيه أبغضه وكرهه وهجره، وربما يلاقيه فاسق فيسلم عليه، ويلاقيه أخوه الذي خالفه في الرأي ولا يسلم عليه، وما ذاك إلا من الشيطان، الشيطان هو الذي يريد أن يوقع العداوة بين المسلمين ولا سيما بين طلبة العلم حتى ينبذ بعضهم بعضاً؛ لأن الشيطان يعلم أن الشريعة لا تقوم إلا بالعلم وبالعلماء، فإذا تنابذوا وتقاطعوا فيما بينهم، وصار بَعضهم يكره بعضًا؛ ارتكبوا مخالفة لنصوص الكتاب والسنّة التي تأمر العباد بالاجتماع والألفة، وتنهاهم عن الاختلاف والفرقة. {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا}". 

الجمعة، 14 نوفمبر 2014

البلاغة في استعمال الحرف (على) في قوله تعالى: {أولئك على هدى من ربّهم}

قال تعالى في سورة البقرة بعد أن ذكر أوصاف المتقين:
{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ}
أي على علم، وتوفيق.
و"على" للاستعلاء؛ وتفيد علوهم على هذا الهدى، وسيرهم عليه، كأنهم يسيرون على طريق واضح بيّن؛ فليس عندهم شك؛ تجدهم يُقبلون على الأعمال الصالحة وكأن سراجًا أمامهم يهتدون به، تجدهم مثلاً ينظرون في أسرار شريعة الله، وحِكَمها، فيعلمون منها ما يخفى على كثير من الناس، وتجدهم أيضًا عندما ينظرون إلى القضاء والقدر كأنما يشاهدون الأمر في مصلحتهم حتى وإن أصيبوا بما يضرهم أو يسوءهم، يرون أن ذلك من مصلحتهم؛ لأنّ الله قد أنار لهم الطريق، فهم على هدًى من ربهم، وكأن الهدى مركبٌ ينجون به من الهلاك، أو سفينة ينجون بها من الغرق، فهم متمكنون غاية التمكن من الهدى، لأنهم عليه.

تفسير سور البقرة للشيخ ابن عثيمين رحمه الله.

الصدق مع الله ومع الخلق

الصدق مع الله ومع الخلق
قال تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (البقرة:177).
من فوائد الآية: أن ما ذُكر هو حقيقة الصدق مع الله، ومع الخلق؛ لقوله تعالى: {أولئك الذين صدقوا}.
-     فصدقهم مع الله، حيث قاموا بهذه الاعتقادات النافعة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وأنهم أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وبذلوا المحبوب في هذه الجهات.
-     وأما صدقهم مع الخلق يدخل في قوله تعالى: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا}، وهذا من علامات الصدق.
ولهذا قال تعالى: {أولئك الذين صدقوا} فصدقوا في اعتقاداتهم، وفي معاملاتهم مع الله، ومع الخلق.

تفسير سورة البقرة للشيخ ابن عثيمين رحمه الله. (2/ 293- 293).

مقياس العمل

مقياس العمل
قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} الآية (البقرة: 176).
معنى الآية: ليس الخير، أو كثرة الخير، والبركة أن يولي الإنسان وجهَه قبل المشرق والمغرب، أي جهة المشرق أو جهة المغرب.
وهذه الآية نزلت توطئة لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ فبين الله -عزّ وجلّ- أنه ليس البرَّ أن يتوجه الإنسان إلى هذا، أو هذا؛ ليس هذا هو الشأن؛ الشأن إنما هو في الإيمان بالله... إلخ؛ أما الاتجاه فإنه لا يكون خيرًا إلا إذا كان بأمر الله؛ ولا يكون شرًا إلا إذا كان مخالفًا لأمر الله؛ فأيَّ جهة توجهتم إليها بأمر الله فهو البرّ.
على هذا لا نقول: إنّ العبرةَ بالعمل، العبرةُ بنوع العمل، ما هو نوع العمل؟ هل هو طاعة لله أو ليس بطاعة؟
إن كان طاعة فهو برٌّ وخيرٌ، وإلا فليس ببرٍّ ولا خير، ولهذا:
·      السجود لغير الله كفر وشرك، وفي وقت من الأوقات حين أمر الله الملائكة بالسجود لآدم صار السجود لغير الله عبادة وتركه كفرًا، فسجد الملائكة لآدم ممتثلين لأمر الله، لا تعظيمًا لآدم كما يُعظّم الله.
·      قتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر، وفي وقت من الأوقات لما أُمر به إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- صار من أفضل الطاعات.
·      قطيعة الرحم من الكبائر، وفي وقت من الأوقات صارت خيرًا، فإنّ قتل الأب لابنه من أكبر القطيعة، ومع ذلك حين أُمر به إبراهيم صار من أفضل القربات.
فالشأن إذًا في طاعة الله عزّ وجلّ، ليس في العمل الذي تفعل، وإنما المقياس هل هو من أمر الله أو ليس من أمر الله؟!

المرجع: "تفسير سورة البقرة" و"شرح الأصول" للشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله.

الجمعة، 24 أكتوبر 2014

في الاشتغال بعبادة الله تسلية للعابد عن جميع التعلقات والمشتهيات

فائدة جليلة
في الاشتغال بعبادة الله تسلية للعابد عن جميع التعلقات والمشتهيات

قال الله تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}[1].
استبطأ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- جبريلَ -عليه السلام- مرة في نزوله إليه، تشوقًا إليه، وتوحشًا لفراقه، وليطمئن قلبه بنزوله، فقال له: "ما يمنعك أن تزورَنا أكثرَ مما تزورنا؟" قال: فنزلت {وَمَا نَتَنزلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا }[2] إلى آخر الآية.
أي: ليس لنا من الأمر شيء، إن أمرنا ابتدرنا أمره، ولم نعصِ له أمرًا، كما قال عنهم: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}[3] فنحن عبيدٌ مأمورون.
{له مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} ما نستقبل من أمر الآخرة
{وَمَا خَلْفَنَا} أي: ما مضى من الدنيا
{وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} أي: ما بين الدنيا والآخرة.
فله الأمور الماضية والمستقبلة والحاضرة، في الزمان والمكان. فإذا تبين أن الأمر كله لله، وأننا عبيد مدبَّرون، فيبقى الأمرُ دائرًا بين: هل تقتضيه الحكمة الإلهية فينفذه؟ أم لا تقتضيه فيؤخره؟ ولهذا قال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} أي: لم يكن لينساك ويهملك، كما قال تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}[4]، بل لم يزل معتنيًا بأمورك، مجريًا لك على أحسن عوائده الجميلة، وتدابيره الجميلة.
أي: فإذا تأخر نزولنا عن الوقت المعتاد، فلا يحزنك ذلك ولا يهمك، واعلم أن الله هو الذي أراد ذلك، لما له من الحكمة فيه.
ثم علل إحاطة علمه، وعدم نسيانه، بأنه {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} أي: خالق ذلك ومدبره، والحاكم فيه والمتصرّف الذي لا معقب لحكمه، فربوبيته للسماوات والأرض، وكونهما على أحسن نظام وأكمله، ليس فيه غفلة ولا إهمال، ولا سدى، ولا باطل، برهان قاطع على علمه الشامل، فلا تشغل نفسك بذلك، بل اشغلها بما ينفعك ويعود عليك طائله، وهو: عبادته وحده لا شريك له، ولزوم طاعته، والذلّ لأمره ونهيه، {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} أي: اصبر نفسَك عليها، وجاهدْها، وقم عليها أتمَّ القيام، وأكملها بحسب قدرتك.
وفي الاشتغال بعبادة الله تسلية للعابد عن جميع التعلقات والمشتهيات، كما قال تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} إلى أن قال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}[5] الآية.
{هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}
قال عليٌّ بنُ أبي طلحة، عن ابنِ عباس: "هل تعلمُ للربِّ مثلاً أو شبهًا؟". وقال ابن جرير: هل تعلم يا محمدُ لربِّك هذا الذي أمرناك بعبادته، والصبرِ على طاعته مثلاً في كَرَمه وجوده فتعبدَه رجاء فضله وطوله دونه؟! كلّا، ما ذلك بموجود.
فهذا استفهام بمعنى النفي، المعلوم بالعقل، أي: لا تعلم له مساميًا ولا مشابهًا؛ لأنه:
·      الربُّ، وغيرُه مربوبٌ
·      الخالقُ، وغيرُه مخلوقٌ
·      الغنيُّ من جميع الوجوه، وغيرُه فقيرٌ بالذات من كلِّ وجه
·      الكاملُ الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وغيرُه ناقصٌ ليس فيه من الكمال إلا ما أعطاه الله تعالى
فهذا برهان قاطع على أن الله هو المستحق لإفراده بالعبودية، وأن عبادته حق، وعبادة ما سواه باطل، فلهذا أمر بعبادته وحده، والاصطبار لها، وعلَّلَ ذلك بكماله وانفراده بالعظمة والأسماء الحسنى [8].





[1] (مريم: 64- 65).
[2] رواه البخاري (كتاب التفسير/ باب {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ}/ 4731) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
[3] (التحريم: 6)
[4] (الضحى: 3).
[5] (طه: 131- 132).
[6] رواه مسلم (كتاب المساجد/ باب فضل صلاة الجماعة/ 651) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
[7] (لقمان: 25).
[8] انظر "جامع البيان" لابن جرير الطبري. تحقيق أحمد محمد شاكر. ط- الرسالة: بيروت، 142هـ (18/ 226)، و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير. تحقيق: سامي محمد سلامة. ط2- دار طيبة، 1420هـ (5/ 250). و"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان" للشيخ ابن سعدي. تحقيق: عبد الرحمن اللويحق. ط4- مؤسسة الرسالة: بيروت، 1426هـ.

الأحد، 12 أكتوبر 2014

تشبيهات بليغة من سورة النبأ

قال الله -جلّ وعلا-:
{أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)}.

ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة عدّةَ تشبيهاتٍ بليغة، دلّت على إعجاز القرآن الكريم، وسعة بيانه، وذلك في وصفه:

*الأرض: بأنها مِهادٌ، والمهادُ هو الفراش الممهَّد الموطَّأ، وهو تشبيه للأرض به؛ إذ جعل سطحها ميسّرًا للجلوسِ عليها والاضطجاع، وبالأحرى المشي، ليست بالصلبة التي لا يستطيعون حرثها، وليست باللينة الرّخوة التي لا ينتفعون بها، ولا يستقرون عليها، ولكنها ممهدة لهم على حسب مصالحهم، وعلى حسب ما ينتفعون به. وذلك دليل على إبداع الخلق، والتيسير على النّاس.

*والجبال: وصفها بأنها أوتادٌ للأرض، والوتد هو عودٌ غليظٌ شيئًا، أسفله أدقّ من أعلاه، يُدقّ في الأرض لتُشدّ به أطنابُ الخيمة، فهذه الجبال للأرض بمنزلة الوَتَدِ للخَيمة؛ حيث يثبتّها فتَثْبُتُ به، وهي أيضًا ثابتة. قال علماء الأرض: إنّ هذه الجبال لها جذورٌ راسخة في الأرض، كما يَرسخ جذرُ الوَتَدِ بالجدار، أو وتدِ الخيمة في الأرض.

*والليل: وصفه بأنه بمنزلة اللباس، كأنّ الأرض تلبسه ويكون جلبابًا لها. ويجوز أن يكون وجه الشبه هو التغشية. وتحته ثلاثة معان:
أحدها- أنّ الليلَ ساترٌ للإنسان كما يستره اللباس، فالإنسانُ في الليل يختلي بشؤونه التي لا يرتكبها في النّهار؛ لأنه لا يحبُّ أن تراها الأبصار.
الثاني- المشابهة في الرِّفق باللابس والملاءمة لراحته، فلما كان الليل راحة للإنسان وكان محيطًا بجميع حواسّه وأعصابه شُبّه باللباس في ذلك.
الثالث- الوقاية، فالليل يقي الإنسان من الأخطار والاعتداء عليه، فكان العرب لا يُغيرُ بعضُهم على بعض في الليل، وإنما تقع الغارة صباحًا ولذلك إذا غِير عليهم يصرخ الرّجل بقومه بقوله: يا صباحاه.
*
*والسّحاب: وصفها بأنها معصرات، كأنما تعصر هذا المطر عند نزولهه عصرًا، كما يُعصر الثوب، فإنّ هذا الماء يتخلل هذا السحاب ويخرج منه كما يخرج الماء من الثوب المعصور.

وهذه الآيات العظيمة استدلال على وحدانية الله سبحانه بانفراده بالخلق، وعلى إمكان إعادة الأجساد للبعث بعد البِلى بأنها لا تبلغ مبلغَ إيجادِ المخلوقات العظيمة.
وهو استدلال يتضمنُ امتنانًا، والغرضُ من الامتنان تذكيرُ منكري البعث بفضل الله لعلّهم أن يرعوا عن المكابرة، ويقلبوا على النظر فيما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم تبليغًا عن الله تعالى[1].





[1] انظر "التحرير والتنوير" للمحمد الطاهر ابن عاشور. دار سحنون: تونس (12/ 13، 14، 20، 12)، و"تفسير القرآن الكريم" للشيخ ابن عثيمين. ط3- دار الثريا، مؤسسة الرسالة: بيروت، ص22، 23.

الجمعة، 11 أكتوبر 2013

من صور اتباع خطوات الشيطان


من صور اتباع خطوات الشيطان
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 168-169).
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
من فوائد الآية: تحريم اتباع خطوات الشيطان؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}.
ومن ذلك:
·      الأكل بالشمال، والشرب بالشمال؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله؛ فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» (رواه مسلم).
·      ومن اتباع خطوات الشيطان القياس الفاسد؛ لأن أول من قاس قياسًا فاسدًا هو إبليس؛ لأن الله لما أمره بالسجود لآدم عارض هذا الأمر بقياس فاسد: قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (ص: 76)؛ يعني: فكان الأولى هو الذي يسجد؛ فهذا قياس في مقابلة النص؛ فاسد الاعتبار.
·      ومن اتباع خطوات الشيطان أيضًا الحسد؛ لأن الشيطان إنما قال ذلك حسدًا لآدم؛ وهو أيضًا دأب اليهود، كما قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} (البقرة: 109).
وكل خُلق ذميم، أو عمل سوء، فإنه من خطوات الشيطان.

المرجع:
"تفسير القرآن الكريم" للشيخ ابن عثيمين رحمه الله. (2/ 235 – 236). 

أنواع القول على الله بلا علم


أنواع القول على الله بلا علم
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة : 168-169).
قال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- في فوائد هذه الآية:
قوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} يشمل القول على الله:
أ) في ذاته، كالقائلين أنه سبحانه وتعالى ليس بداخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل، ولا منفصل، ولا فوق العالم، ولا تحت؛ هؤلاء قالوا على الله بلا علم؛ بل بما يُعلم أن الأمر بخلافه.
ب) في أسمائه، مثل:
أن يقول: إن أسماء الله سبحانه وتعالى أعلام مجردة لا تحمل معاني، ولا صفات: فهو سميع بلا سمع؛ وبصير بلا بصر؛ وعليم بلا علم؛ فهو عليم بذاته ــــ لا بعلم هو وصفه.
ج) في صفاته، مثل أن يثبتوا بعض الصفات دون بعض، فيقولون فيما نفوه: أراد به كذا، ولم يرد به كذا؛ فقالوا على الله بلا علم من وجهين:
الوجه الأول: أنهم نفوا ما أراد الله بلا علم.
والثاني: أثبتوا ما لم يعلموا أن الله أراده.
فقالوا مثلاً: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] بمعنى استولى عليه. قالوا على الله بلا علم من وجهين:
الوجه الأول: نفيهم حقيقة الاستواء بلا علم
والثاني: إثباتهم أنها بمعنى الاستيلاء بلا علم.
د) في أفعاله، مثل أن يثبتوا أسبابًا لم يجعلها الله أسبابًا، كمثل المنجمين، والخرَّاصين، وشَبَهِهم.
هؤلاء قالوا على الله بلا علم في أفعاله، ومخلوقاته؛ فيقولون: سبب وجود هذا وهذا كذا؛ وهو لا يُعلم أنه سبب له كونًا، ولا شرعًا.
ه) في أحكامه؛ مثل أن يقول: «هذا حرام» وهو لا يعلم أن الله حرمه؛ أو «واجب» وهو لا يعلم أن الله أوجبه.
وهم كثيرون جدًا؛ ومنهم العامة، ومنهم أدعياء العلم الذي يظنون أنهم علماء وليس عندهم علم؛ ومن الأشياء التي مرت عليّ قريباً، وهي غريبة: أن رجلاً ذهب إلى إمام مسجد ليكتب له الطلاق؛ فقال له: «طلق امرأتك طلقتين؛ أنا لا أكتب طلقة واحدة؛ لأن الله يقول: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229]»؛ فقال له الرجل: «اكتب أني طلقت امرأتي مرتين». وهذا جهل مركب منافٍ لمعنى الآية؛ لأن معناها أن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة هو الطلقة الأولى، والطلقة الثانية؛ فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
فالقول على الله بلا علم في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله، أو أحكامه، كل ذلك من أوامر الشيطان. والغالب أنه لا يحمل على ذلك إلا محبة الشرف، والسيادة، والجاه؛ وإلا لو كان عند الإنسان تقوى لالتزم الأدب مع الله عّز وجلّ، ولم يتقدم بين يدي الله ورسوله، وصار لا يقول على الله إلا ما يعلم.
المرجع:
"تفسير القرآن الكريم" للشيخ ابن عثيمين رحمه الله. (2/ 238 – 240). باختصار.