الجمعة، 4 يناير 2013

من تعلق شيئًا وُكل إليه



مَن تعلّق شيئًا وُكل إليه
عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عيسى -أخيه- قال: دخلت على عبد الله بن عُكَيم أبي معبد الجهني أعوده وبه حمُرْة[1]، فقلنا: ألا تعلق شيئًا؟ قال: الموت أقرب من ذلك، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((مَن تعلَق شيئا وُكِل إليه))[2].
معنى الحديث:
((من تعلق)) كلمة (تعلّق) أبلغ من (علّق)؛ لأن كلمة (تعلّق) تدل على ارتباط القلب بهذا المتعلَّق، وركونه إليه، واعتقاده فيه.
((شيئًا)) نكرة في هذا السياق تتناول كل الأشياء التي تُعلق لنفع أو دفع، سواء علقها لوقاية من عين، أو لشفاء من مرض، أو لسلامة من حسد، أو لتخفيف ألم إلى غير ذلك.
وسواء كان المعلَّق خرزًا، أو صدفًا، أو قطعة من النحاس، أو شيئًا من الجلد، أو أحجارًا كريمة، أو جلدًا من جلود السباع، أو غير ذلك من أنواع الأشياء التي تُعلّق.
وسواء علقه على نفسه، أو على دابة له، أو على طفله، أو ناحية من نواحي بيته.
وكثيرًا ما يقال في هذه الأشياء: "هذا مجرَّب" وهذه الكلمة هي التي ورّطت كثيرًا من العوام والجهال بهذه التعلقات الباطلة، التي ما أنزل الله بها من سلطان.
((وُكل إليه)) وكل إلى هذا الشيء التي تعلقه، فياسبحان الله! من وُكل إلى قطعة من الجلد، أو وكل إلى خرزة، أو وكل إلى خيط، أو وكل إلى حافر دابة، أو غير ذلك من الأشياء التي يعلقونها، مَن وُكل إلى هذه الأشياء إلى ماذا يكون وُكل؟!! والله إنما وُكل إلى ضيعة، هذه أشياء لا تنفع نفسها، فضلاً عن أن تنفع متعلّقها.
وقصة الحديث تدل على أن السنّة ومعرفة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عاصمة للعبد من هذه القواصم والطوام والبلايا، وأن نشر هذه الأحاديث بين الناس وتعليمهم إياها تقيهم من هذه الضلالات.
فـ"عبد الله بن عكيم" اشتد به المرض، فقيل له: "ألا تعلق؟"، وهذا يحصل كثيرًا عند اشتداد المرض، يأتي بعض الجهال ويقولون للمريض: علّق كذا، ويعددون له أسماء، ويحكون له حكايات وقصص، فإذا كان هذا الذي يُقال له هذا الكلام يجهل ما جاء من النهي في الأحاديث فتنوه في دينه، وورطوه في هذه التعاليق، لكن من كان يعرف هذه الأحاديث فإنها بإذن الله تعصمه من تلك القواصم والطوام[3].
المقصود من الحديث:
أنّ مَن تعلّق بالله، وأنزل حوائجه به، والتجأ إليه، وفوّض أمره إليه كفاه
ومَن تعلّق بغيره، أو سكن إلى رأيه وعقله ودوائه وتمائمه ونحو ذلك وكله الله إلى ذلك وخذله.
وهذا أمر معروف بالنصوص والتجارب، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق: 3).
أمثلة على التعلق بغير الله:
·       التعلق بالتمائم، وهي جمع تميمة، وهي ما يعلق بأعناق الصبيان من خرزات وعظام، لدفع العين، وهذا منهي عنه، لأنه لا دافع إلا الله، ولا يُطلب دفع المؤذيات إلا بالله وأسمائه وصفاته.
·       التعلق بالرقى الشركية، وهي التي يُستعان فيها بغير الله، من دعاء غير الله، والاستغاثة والاستعاذة به، كالرقى بأسماء الملائكة والأنبياء والجنّ ونحو ذلك[4].
·       التعلق بأصحاب القبور، وطلب الشفاعة منهم، ودعاؤهم والاستغاثة بهم وسؤالهم الحاجات.
وكل هذه التعلقات نهى عنها الشارع، لأنّ فيها شرك بالله عزّ وجلّ فيما هو من خصائصه؛ إذ لا يُطلب دفع الضر وجلب النفع إلا من الله سبحانه وتعالى، لأنه هو الملك، وهو المعطي والمانع، بيده الأمر، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} (الزمر: 38)، وقال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (الأنعام: 17)، وقال: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (يونس: 107) إلى غير ذلك من الآيات التي تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.
نسأل الله عزّ وجلّ ألا يعلّق قلوبنا إلا به
وأن يزرقنا صدق التوكل عليه
ويعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن
آمين





[1]  حُمرة: أي: مما يعلو الوجه والجسد، قاله القارىء. وقال في القاموس: "الحمرة ورم من جنس الطواعين". "تحفة الأحوذي".
[2]  رواه الترمذي (كتاب الطب/ باب كراهية التعليق/ 2072) وقال الألباني: حسن.
[3]  استمع للشرح الصوتي لـ"كتاب التوحيد" للشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر حفظهما الله. الشريط 11
[4]  انظر "حاشية كتاب التوحيد" للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم رحمه الله تعالى.