مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ
يقول تبارك وتعالى في كتابه العزيز:
{ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ
رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ
قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا
لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ
خَبِيرٍ}[1].
يخبر سبحانه في هاتين الآيتين العظيمتين أن الملك
له وحده، والملوك وجميع الخلق تحت تصرّفه وتدبيره، فهو المستحق للعبادة وحده
ولهذا نفى عن كلِّ ما يُدعى من دونه الصفات التي
توجب التعلق به، فنفى عنهم:
1. الملك،
والمراد الملك الاستقلالي، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ
تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} والقطمير: القشرة على النواة،
وهو مثل يُضرب في أقلّ الأشياء. وجاء نكرة في سياق النفي، ومع دخول "من"
عليه من أبلغ النفي.
2. سماع داعيهم،
قال تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ}
أي لا يسمعون دعاء من دعاهم.
3. القدرة على إجابة من دعاهم،
قال تعالى: {وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ}.
بل ومع ذلك كله سيكونون عليهم ضدًا يوم القيامة،
ولهذا قال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ
وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} أي هذا كلام الخبير بعباده، المطلع
على خفايا الأمور وخباياها.
فهذه
براهين قوية جدًا على إبطال الشرك والتعلق بغير الله، فإذا كان الملك كله لله،
وغيره لا يملك مثقال ذرة ملكًا استقلاليًا؛ فوجب إفراد الله بالعبادة.
وهذه الآية شاملة في كلِّ مَن يدعى من دون الله،
أيًا كان، وإن كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلاً، ولهذا جاء في "صحيح
البخاري" عن أنس –رضي الله عنه- قال: شُجَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم
أحد، فقال: "كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيهم"؟ فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ}[2].
أي ليس لك من الحكم في عبادي أي شيء، فالأمر كله
لله، يُعطي ويَمنع، يُفقر ويُغني، يُخفض ويَرفع، يُعزّ ويُذلُّ، يَهدي ويُضلّ، يُضحك
ويُبكي، يُسعد ويُشقي، هذا كله لله وحده، لا يملك منه النبي –صلى الله عليه وسلم-
شيئًا.
وليس ذلك
بهوان بالنبي -صلى الله عليه وسلم- على الله، فإنه أكرم خلق الله عليه، وأفضلهم
على الإطلاق، وسيد ولد آدم، ولكن ليتبين نزول قدره عن مقام الربوبية، فإنما هو عبد
الله ورسوله.
لذلك كان –صلى الله عليه وسلم- في التجائه إلى الله
إذا خاف من قوم قال: "اللهم إنّا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم[3]"
ويقول: "اللهم أنت عضدي ونصيري، وبك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل"[4].
أما هو في نفسه لا يملك، صلى الله عليه وسلم.
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة –رضي الله
عنه- قال: قام رسول الله –صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرَبِينَ} فقال: "يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم، لا أغني
عنكم من الله شيئًا، يا بني مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب
لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا
فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا"[5].
وهل أوضح من هذا الواضح؟ وهل أبين من هذا البيّن؟
فإذا صرّح -صلى الله عليه وسلم- وهو سيّدُ المرسلين
بأنه لا يغني شيئًا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسانُ أنه -صلى الله عليه وسلم-
لا يقول إلا الحق، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواصِّ الناس اليوم تبين له التوحيد وغربة
الدين.
ومن أعظم العبر والعظات، الموقظات للقلوب في هذا
الباب، ما جاء في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى
الله عليه وسلم- قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قَتَرةٌ
وغَبَرةٌ. فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول
إبراهيم: يا ربِّ، إنّك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأيُّ خزيٍ أخزى من أبي الأبعد؟
فيقول الله تعالى: إنّي حرّمتُ الجنَّةَ على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت
رجليك؟ فينظر فإذا هو بِذِيخ متلطخٍ، فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار"[6].
وهذا مصداق قول الله تعالى:
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ
(17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ
شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}[7].
المراجع:
· "كتاب التوحيد الذي هو حق الله
على العبيد" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله.
· "شرح كتاب التوحيد" لابن
قاسم النجدي، رحمه الله.
· "شرح كتاب التوحيد" للشيخ
عبد الرزاق البدر، حفظه الله.
[1] (فاطر:
13- 14).
[2] ذكره
البخاري في "صحيحه" تعليقًا (كتاب المغازي/ باب {ليس لك من الأمر شيء}).
[3] رواه أبو
داود (كتاب الصلاة/ باب ما يقول الرجل إذا خاف قومًا/ 1537) وقال الألباني -رحمه
الله-: صحيح.
[5] "صحيح
البخاري" (كتاب الوصايا/ باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب/2753).
"صحيح مسلم" (كتاب الإيمان/ باب في قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين/206).