بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.......... أما بعد
فهذه بعض معاني سورة الكافرون
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)}.
أولاً- فضل هذه السورة:
هذه السورة هي إحدى سورتي الإخلاص[1]، لأن سورتي الإخلاص {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
ثانيًا- من السنّة في قراءتها:
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ ب{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في:
1- سنّة الفجر[2]
2- سنة المغرب [3]
3- ركعتي الطواف[4].
وجاء في حديث عند أبي داود والترمذي عن فروة بن نوفل، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: ((اقرأ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك))[5].
ومن الحكمة من قراءتها في هذه المواطن:
لما تضمناه من الإخلاص لله عزّوجلّ، والثناء عليه بالصفات الكاملة.
ثالثًا- تفسير لبعض معاني هذه السورة العظيمة:
هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه.
*فقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} يشمل كل كافر على وجه الأرض، سواء كان من المشركين، أو من اليهود، أو من النصارى، أو من الشيوعين، أو من غيرهم، كل كافر يجب أن تناديه بقلبك أو بلسانك إن كان حاضرًا لتتبرأ منه ومن عبادته.
*{لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} أي: لا أعبد الذين تعبدونهم من الأصنام والأنداد.
* {وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} وهو الله وحده لا شريك له، ف(ما) هاهنا بمعنى (من)؛ لأن الاسم الموصول إذا عاد إلى الله فإنه يأتي بلفظ (من).
* {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}.
ما الحكمة من تكرار الجملتين؟
للعلماء في ذلك أقوال:
القول الأول: أنه تكرار للتوكيد، لكن يَرِد على هذا القول أن الصيغة مختلفة، فقوله: {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} فعل، وقوله: {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ} (عابد) اسم.
القول الثاني: أن الأولى {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} للحال، والثانية {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} للمستقبل، لكن يرد على هذا القول أنهم قد يؤمنون فيعبدون الله!
القول الثالث: أن قوله {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} يعني: لا أعبد الأصنام التي تعبدونها، {وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} أي: لا تعبدون الله، {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} أي: في العبادة، يعني ليست عبادتي كعبادتكم، ولاعبادتكم كعبادتي، لأن عبادتي خالصة لله، وعبادتكم عبادة مقترنة بالشرك؛ فلا تسمى عبادة، فيكون هذا نفي للفعل لا للمفعول به، يعني: ليس نفيًا للمعبود، لكنه نفي للعبادة.أي: لا أعبد عبادتكم أي: لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه، ولهذا قال: {وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} أي: لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم كما قال: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم : 23]، فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من:1- معبود يعبده 2- وعبادة يسلكها إليه
فالرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه: 1- يعبدون الله 2- بما شرعه
فالرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه: 1- يعبدون الله 2- بما شرعه
ولهذا كان كلمة الإسلام (لا إله إلا الله محمد رسول الله) أي:
- لا معبود إلا الله ==== (لا إله إلا الله)
- ولا طريق إليه إلا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم === (محمد رسول الله).
والمشركون: 1- يعبدون غير الله 2-عبادة لم يأذن بها الله.
القول الرابع: اختاره شيخ الاسلام ابن تيمية-رحمه الله-أن قوله تعالى: {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} هذا الفعل، نفى الفعل لأنها جملة فعلية، {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} أي: في القبول، نفى قبولَه لذلك بالكلية، لأن النفيَ بالجملة الأسمية آكد، بمعنى ولن أقبل غير عبادتي، ولن أقبل عبادتكم، وأنتم كذلك لن تقبلوا، فتكون الجملة الأولى عائدة على الفعل، والجملة الثانية عائدة على القبول والرضا، يعني: لا أعبده ولا أرضاه، وأنتم كذلك، لا تعبدون الله ولا ترضون بعبادته.
ومن هنا نأخذ أن القرآن الكريم ليس فيه شيء مكرر لغير فائدة إطلاقًا؛ لأننا لو قلنا بذلك لكان في القرآن ما هو لغو، وهو منزه عن ذلك.
* {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} الذي أنتم عليه وتدينون به، ولي ديني ، فأنا بريء من دينكم، وأنتم بريؤون من ديني.كما قال تعالى: {وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس : 41]،{لنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [القصص : 55]،وقال البخاري: يقال: {لَكُمْ دِينُكُمْ} الكفر، {وَلِيَ دِينِ} الإسلام[6].
فهذه السورة:
فهذه السورة:
- فيها البراءة والتخلي من عبادة غير الله عزّوجلّ، سواء:
* في المعبود *أو في نوع الفعل
- وفيها الإخلاص لله عزّوجلّ، وأن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
المرجع: جمع وترتيب من:
"تفسير القرآن العظيم" للحافاظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي رحمه الله
"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" للشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله
"تفسير القرآن الكريم" لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
صحيح البخاري رحمه الله
صحيح مسلم رحمه الله
سنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن ابن ماجه رحمهم الله
[1] وردت هذه التسمية في السنّة، في حديث رواه الترمذي (كتاب الحج/ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم/ باب ما يقرأ في ركعتي الطواف/ 869) وقال الألباني: صحيح
[2] "صحيح مسلم" (كتاب صلاة المسافرين/ باب بيان استحباب ركعتي سنة الفجر وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما/726).
[3] رواه الترمذي (كتاب الصلاة/ باب ما جاء في الركعتين بعد المغرب والقراءة فيهما/431) وقال: حديث غريب، ورواه ابن ماجه (كتاب إقامة الصلوات والسنة فيها/ باب ما يقرأ في الركعتين بعد المغرب/1166) وقال الألباني: صحيح لغيره.
[4] "صحيح مسلم" (كتاب الحج/ باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم/ 1218)
[5] رواه أبو داود (أبواب النوم/ باب ما يقول عند النوم/ 5055) واللفظ له، والترمذي (كتاب الدعوات/ باب 22/ 3403) وقال الألباني: حسن لغيره "صحيح الترغيب والترهيب".
[6] هكذا نقله ابن كثير، وهو في صحيح البخاري (كتاب التفسير/ باب سورة الكافرون).
__________________
__________________
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق