الجمعة، 28 يناير 2011

وبشّر الصابرين

بسم الله الرحمن الرحيم
آيات في ذكر ثواب الصابرين
سورة البقرة (155-175)
قال الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}
قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى:
(الحكمة من المحن)
أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلى عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنّته تعالى في عباده، لأن السَّراء لو استمرت لأهل الإيمان ولم يحصل معها محنة لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن، لا إزلة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين.
(أنواع المصائب)
فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده:
·       {بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ} من الأعداء
·       {وَالْجُوعِ} أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله أو الجوع لهلكوا، والمحن تمحّص لا تهلك.
·       {وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ} وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال، من جوائح سماوية، وغرق، وضياع، وأخذ الظلمة للأموال، من الملوك الظلمة وقطاع الطريق، وغير ذلك.
·       {وَالأنفُسِ} أي: ذهاب الأحباب من الأولاد والأقارب والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد أو بدن من يُحبه.
·       {وَالثَّمَرَاتِ} أي: الحبوب، وثمار النخيل، والأشجار كلها، والخضر، ببَرْد، أو ببَرَد، أو حرق، أو آفة سماوية من جراد ونحوه.
فهذه الأمور لا بد أن تقع، لأن العليم الخبير أخبر بها، فوقعت كما أخبر.
(أقسام الناس في المحن)
فإذا وقعت انقسم الناس إلى قسمين:
1.    جازعين
2.    وصابرين
فالجازع حصلت له المصيبتان:
أ‌)       فوات المحبوب، وهو وجود هذه المصيبة
ب‌)  وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان.
وأما مَن وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب:
1-  فحبس نفسه عن التسخط: أ) قولاً ب)وفعلاً
2-  واحتسب أجرها عند الله
3-  وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقًا لحصول ما هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله وفاز بالثواب.
ولهذا قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب، فالصابرون هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة والمنحة الجسيمة.

(وصف الصابرين)
ثم وصفهم بقوله: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن، أو كليهما مما تقدم ذكره.
v   {قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ} أي: مملوكون لله، مدبرون تحت أمره وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء منها فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم، فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد علمه بأن وقوع البلية من المالك الحكيم الذي أرحم بعبده من نفسه، فيوجب له ذلك:
-       الرضا عن الله
-       والشكر له على تدبيره لما هو خير لعبده وإن لم يشعر بذلك.
v   {وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} ومع أننا مملوكون لله، فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفرًا عنده، وإن جزعنا وسخطنا لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر.
فكون العبد لله ، وراجع إليه من أقوى أسباب الصبر.
(جزاء الصابرين)
{أُولَـئِكَ} الموصوفون بالصبر المذكور
v    {عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ} أي: ثناء، وتنويه بحالهم
v    {وَرَحْمَةٌ} عظيمة، ومن رحمته إياهم أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر.
v    {وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} الذين:
1-   عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع: علمُهم بأنهم لله وأنهم إليه راجعون
2-وعملوا به، وهو هنا صبرهم لله.
(جزاء الجازعين)
ودلت هذه الآية {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} على أن مَن لم يصبر فله ضد ما لهم، فحصل له:
v   الذمّ من الله
v   والعقوبة
v   والضلال والخسار.
فما أعظم الفرق بين الفريقين، وما أقل تعب الصابرين، وأعظم عناء الجازعين.
فقد اشتملت هاتان الآيتان على:
·       توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها؛ لتخف وتسهل إذا وقعت.
·       وبيان ما تُقابل به إذا وقعت وهو الصبر.
·       وبيان ما يعين على الصبر.
·       وما للصابر من الأجر، ويُعلم حال غير الصابر بضد حال الصابر.
·       وأن هذا الابتلاء والامتحان سنّة الله التي قد خلت، ولن تجد لسنّة الله تبديلاً.
·       وبيان أنواع المصائب.

ملحوظة:
ما بين الأقواس من العناوين وُضعت للتوضيح، وليست من كلام الشيخ رحمه الله تعالى.