بسم الله الرحمن
الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول
الله، أما بعد
فقد نقلتُ هذه المادة النافعة من مكتبة
الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله تعالى، لكن مع الاختصار وبعض التصرّف.
وأسأل الله أن ينفع بها!
قال الطحاويُّ رحمه الله تعالى:
"فمن سمِعَهُ-يعني القرآن-
فَزَعَمَ أَنَّهُ كلامُ البشرِ، فَقَدْ كَفَرَ، وقد ذمَّهُ الله وعابَهُ وأوعَدهُ
بسَقَر، حيث قال تعالى: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر:26]، فَلَمَّا أَوْعَدَ
اللهُ بِسَقَرٍ لمنْ قال {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر:25]،
عَلِمْنَا وأَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر، وَمَنْ
وَصَفَ الله بِمعنَى مِنْ مَعاني البشر، فقدْ كَفَر، فمن أبْصَرَ هذا اعْتَبر،
وعَنْ مِثْلِ قول الكفَّارِ انْزَجَر، وعَلِمَ أنَّه بصفاته ليسَ كالبشر".
هذه الجمل مشتملة على تقرير مسألة
عظيمة، وهي:
أن كلام الله جلّ وعلا لا يشبه قول
البشر، وكيف يشبه قول البشر وهو كلام الباري جلّ وعلا الذي لا يشبه بصفاته البشر.
فمن قال عن القرآن إنه قول بشر، أو إنه
مخلوق، أو هو قول جبريل، أو نحو ذلك، وليس بقول الله جلّ وعلا، فإنّ هذا كافر
بالله العظيم.
إذا تبين لك ذلك فإنهم قالوا أيضًا -أي المشركون- قالوا: إنما يعلمه بشر، كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل:103]، فالذين أبوا هداية القرآن وأبوا الإذعان له وصفوا القرآن بصفات:
* قال بعضهم: هو كِهانة.
* وقال بعضهم: هو شعر.
* وقال بعضهم: هو قول بشر.
* وقال بعضهم: أساطير الأولين.
وكل هذه الأقوال يعلمون أنما هي لتنفير الناس عن قبول هذا القرآن، فلقد خرج ثلاثة من كفار قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، في الليل، كلهم يسمع قراءته للقرآن، ولما ذهب وجد فلانًا وفلانًا، فإذا بهم ثلاثة يسمعون القرآن لما له من سلطان على نفوسهم، ثم لما رجعوا تقابلوا في الطريق، فتواعدوا ألا يسمعوا مرة أخرى لهذا القرآن؛ لأجل ألا يراهم بعض العامة وبعض الناس فلا يقبل قولهم في رد القرآن، ثم لما جاء من الليلة الثانية اجتمعوا أيضا ثم صارت أيضًا ثالثة حتى رأوا أنهم لابد أن يتفارقوا على ذلك، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ(26)فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا}[فصلت:26-27].
كذلك لما أرسل الوليد أو عقبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليفاوضه في شأن القرآن وأن يترك هذا الأمر، قال له: يا محمد إن أردت ملكًا ملكناك، وإن أردت مالاً جمعنا لك من المال ما تكون به أغنى العرب، وإن أردت نساءً نظرنا في أجمل نساء العرب فأتينا بهنّ إليك، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا الذي عندك؟ اسمع فتلا عليه صدر سورة فصلت {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (1) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}[فصلت:1-4] ومرّ عليه الصلاة والسلام في التلاوة حتى بلغ قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}[فصلت:13] فالتفت إليه الرجل وقال: حسبك الآن، فرجع إلى قومه، فلما رأوه مقبلاً، قالوا لقد أتاكم فلان بوجه غير الوجه الذي ذهب به، فلما حضر، قالوا ما عندك يا فلان؟
فقال: إني سمعت كلامًا ليس هو بالشعر، وليس هو بالكهانة، وليس هو بالكلام الذي نألف، إن له لحلاوة، وإن عليه لطُلاوة -أو طَلاوة أو طِلاوة مثلثة- وإن أسفله لمورق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه.
فتبين بذلك أن أولئك الذين قالوا هو كهانة، وهو شعر، وهو قول البشر أنهم هم الذين ردوا على أنفسهم {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14].
هذه المسألة وهو كون القرآن لا يشبه قول البشر متصلة بمسألة عظيمة وهي المسألة الموسومة عند العلماء بمسألة إعجاز القرآن.
إذا تبين لك ذلك فإنهم قالوا أيضًا -أي المشركون- قالوا: إنما يعلمه بشر، كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل:103]، فالذين أبوا هداية القرآن وأبوا الإذعان له وصفوا القرآن بصفات:
* قال بعضهم: هو كِهانة.
* وقال بعضهم: هو شعر.
* وقال بعضهم: هو قول بشر.
* وقال بعضهم: أساطير الأولين.
وكل هذه الأقوال يعلمون أنما هي لتنفير الناس عن قبول هذا القرآن، فلقد خرج ثلاثة من كفار قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، في الليل، كلهم يسمع قراءته للقرآن، ولما ذهب وجد فلانًا وفلانًا، فإذا بهم ثلاثة يسمعون القرآن لما له من سلطان على نفوسهم، ثم لما رجعوا تقابلوا في الطريق، فتواعدوا ألا يسمعوا مرة أخرى لهذا القرآن؛ لأجل ألا يراهم بعض العامة وبعض الناس فلا يقبل قولهم في رد القرآن، ثم لما جاء من الليلة الثانية اجتمعوا أيضا ثم صارت أيضًا ثالثة حتى رأوا أنهم لابد أن يتفارقوا على ذلك، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ(26)فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا}[فصلت:26-27].
كذلك لما أرسل الوليد أو عقبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليفاوضه في شأن القرآن وأن يترك هذا الأمر، قال له: يا محمد إن أردت ملكًا ملكناك، وإن أردت مالاً جمعنا لك من المال ما تكون به أغنى العرب، وإن أردت نساءً نظرنا في أجمل نساء العرب فأتينا بهنّ إليك، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا الذي عندك؟ اسمع فتلا عليه صدر سورة فصلت {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (1) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}[فصلت:1-4] ومرّ عليه الصلاة والسلام في التلاوة حتى بلغ قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}[فصلت:13] فالتفت إليه الرجل وقال: حسبك الآن، فرجع إلى قومه، فلما رأوه مقبلاً، قالوا لقد أتاكم فلان بوجه غير الوجه الذي ذهب به، فلما حضر، قالوا ما عندك يا فلان؟
فقال: إني سمعت كلامًا ليس هو بالشعر، وليس هو بالكهانة، وليس هو بالكلام الذي نألف، إن له لحلاوة، وإن عليه لطُلاوة -أو طَلاوة أو طِلاوة مثلثة- وإن أسفله لمورق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه.
فتبين بذلك أن أولئك الذين قالوا هو كهانة، وهو شعر، وهو قول البشر أنهم هم الذين ردوا على أنفسهم {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14].
هذه المسألة وهو كون القرآن لا يشبه قول البشر متصلة بمسألة عظيمة وهي المسألة الموسومة عند العلماء بمسألة إعجاز القرآن.
وهذه المسألة لها صلة بمسألتين
عقديتين:
1-ببحث دلائل النبوة؛ وذلك من كون
القرآن معجزًا ودليلاً على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه منزل من عند
الله.
2- ومن جهة أخرى لها صلة بمبحث كلام
الله جلّ وعلا، هو أن القرآن كلام الله، وأن كلام الله جلّ وعلا ليس ككلام البشر.
لتقرير مسألة (إعجاز القرآن) -وقد تكلم فيها أنواع من الناس من جميع الفرق والمذاهب- نجعل البحث فيها على مسائل:
المسألة الأولى: أن لفظ الإعجاز لم يرد في الكتاب ولا في السنّة، وإنما جاء في القرآن وفي السنة أنّ ما يعطيه الله جلّ وعلا للأنبياء والرسل وما آتاه محمد عليه الصلاة والسلام هو آية وبرهان على نبوته، فلفظ المعجزة لم يأتِ كما ذكرنا من قبل في الكتاب ولا في السنة وإنما هو لفظ حادث ولا بأس باستعماله إذا عني به المعنى الصحيح.
إذن لماذا استعمل العلماء لفظ الإعجاز؟
لتقرير مسألة (إعجاز القرآن) -وقد تكلم فيها أنواع من الناس من جميع الفرق والمذاهب- نجعل البحث فيها على مسائل:
المسألة الأولى: أن لفظ الإعجاز لم يرد في الكتاب ولا في السنّة، وإنما جاء في القرآن وفي السنة أنّ ما يعطيه الله جلّ وعلا للأنبياء والرسل وما آتاه محمد عليه الصلاة والسلام هو آية وبرهان على نبوته، فلفظ المعجزة لم يأتِ كما ذكرنا من قبل في الكتاب ولا في السنة وإنما هو لفظ حادث ولا بأس باستعماله إذا عني به المعنى الصحيح.
إذن لماذا استعمل العلماء لفظ الإعجاز؟
وذلك لأن القرآن تحدى الله جلّ وعلا به
العرب، بأن يأتوا بمثله، أو أن يأتوا بعشر سور مثله أو أن يأتوا بسورة من مثله،
فلما تحداهم ولم يأتوا بما تحداهم به، دلّ ذلك على عجزهم، وذلك بسبب أن القرآن
معجز لهم فلم يأتوا بمثله، قال جلّ وعلا: {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ
وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء:88]، وقال جلّ
وعلا: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ
اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(13)فَإِلَّمْ
يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[هود:13-14].
فلما وقع التحدي وعجزوا -وهم يريدون أي وسيلة لمعارضة القرآن وإثبات أنه قول البشر- سمى العلماء عجزهم ذلك: مسألة إعجاز القرآن.
فلما وقع التحدي وعجزوا -وهم يريدون أي وسيلة لمعارضة القرآن وإثبات أنه قول البشر- سمى العلماء عجزهم ذلك: مسألة إعجاز القرآن.
المسألة الثانية: أن كلام الله جل وعلا هو المعجز، وليس أنّ الله جلّ وعلا أعجز لما
أنزل القرآن لأجل السماع.
والفرق بين المسألتين:
والفرق بين المسألتين:
أنّ الإعجاز صفة القرآن، فالإعجاز
والبرهان والآية والدليل في القرآن نفسه، لأنه كلام الله، ولكن لا يقال أن الله
جلّ وعلا أعجز البشر عن الإتيان بمثل هذا القرآن؛ لأن هذا القول يدل على أنهم
قادرون لكن الله جلّ وعلا سلبهم القدرة على هذه المعارضة.
فإذن تنتبه على أن تعبير أهل العلم في هذه المسألة أن القرآن آية، فآية محمد عليه الصلاة والسلام القرآن؛ بل محمد عليه الصلاة والسلام لما سمع كلام الله جلَّ وعلا خاف عليه الصلاة والسلام، فلما فجأه الوحي وهو بغار حراء فأتاه جبريل فَقَالَ له: اقْرَأْ. قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». قَالَ ?اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ?[العلق:1-2] إلى آخر ما أنزل، في أول ما نبئ النبي عليه الصلاة والسلام، فرجع بها عليه الصلاة والسلام يرجف بها فؤاده؛ لأنه كلام الله جلّ وعلا، لا يشبه كلام أحد، فلم يتحمله عليه الصلاة والسلام لا في ألفاظه ولا في معانيه، ولا أيضا في صفة الوحي والتنزيل، فرجع بهن -يعني بالآيات- يرجف بها فؤاده عليه الصلاة والسلام إلى آخر القصة.
المسألة الثالثة: أقوال الناس في إعجاز القرآن.
القرآن معجز للجنّ والإنس جميعًا؛ بل معجز لكل المخلوقات؛ لأنه كلام الله جلّ وعلا، ولا يشبه كلام الخلق.
فإذن تنتبه على أن تعبير أهل العلم في هذه المسألة أن القرآن آية، فآية محمد عليه الصلاة والسلام القرآن؛ بل محمد عليه الصلاة والسلام لما سمع كلام الله جلَّ وعلا خاف عليه الصلاة والسلام، فلما فجأه الوحي وهو بغار حراء فأتاه جبريل فَقَالَ له: اقْرَأْ. قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». قَالَ ?اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ?[العلق:1-2] إلى آخر ما أنزل، في أول ما نبئ النبي عليه الصلاة والسلام، فرجع بها عليه الصلاة والسلام يرجف بها فؤاده؛ لأنه كلام الله جلّ وعلا، لا يشبه كلام أحد، فلم يتحمله عليه الصلاة والسلام لا في ألفاظه ولا في معانيه، ولا أيضا في صفة الوحي والتنزيل، فرجع بهن -يعني بالآيات- يرجف بها فؤاده عليه الصلاة والسلام إلى آخر القصة.
المسألة الثالثة: أقوال الناس في إعجاز القرآن.
القرآن معجز للجنّ والإنس جميعًا؛ بل معجز لكل المخلوقات؛ لأنه كلام الله جلّ وعلا، ولا يشبه كلام الخلق.
وكون القرآن معجزًا راجع إلى أشياء
كثيرة، فاختلف الناس في وجه الإعجاز على أقوال:
القول الأول: ذهب إليه طائفة من المعتزلة ومن غيرهم حتى من المعاصرين الذين تأثروا بالمدرسة العقلية في الصفات والكلام، قالوا: إن الإعجاز في القرآن إنما هو بصرف البشر عن معارضته، وإلا فالعرب قادرة على معارضته في الأصل؛ لكنهم صُرفوا عن معارضته، فهذا الصَّرف هو قدرة الله جلّ وعلا، لا يمكن للنبي عليه الصلاة والسلام أن يصرفهم جميعًا عن معارضته.
القول الأول: ذهب إليه طائفة من المعتزلة ومن غيرهم حتى من المعاصرين الذين تأثروا بالمدرسة العقلية في الصفات والكلام، قالوا: إن الإعجاز في القرآن إنما هو بصرف البشر عن معارضته، وإلا فالعرب قادرة على معارضته في الأصل؛ لكنهم صُرفوا عن معارضته، فهذا الصَّرف هو قدرة الله جلّ وعلا، لا يمكن للنبي عليه الصلاة والسلام أن يصرفهم جميعًا عن معارضته.
وهذا القول هو القول المشهور الذي ينسب
للنظّام وجماعة بما هو معلوم.
الردّ عليه:
الردّ عليه:
يرده أشياء نقتصر منها على دليلين:
الدليل الأول: سمعي (نقلي) من القرآن
والدليل الثاني: عقلي.
أما الدليل السمعي هو قول الله جلّ وعلا {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء:88]، فالله جلّ وعلا أثبت أنّ الإنس والجن لو اجتمعت على أن تأتي بمثل هذا القرآن وصار بعضهم لبعض معينًا بالإتيان بمثل هذا القرآن أنهم لن يأتوا بمثله، وهذا إثبات لقدرتهم على ذلك؛ لأن اجتماعهم مع سلب القدرة عنهم بمنزلة اجتماع الأموات لتحصيل شيء من الأشياء، فالله جلّ وعلا بيّن أنهم لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن وكان بعضهم لبعض معينًا وظهيرًا على المعارضة، فإنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فأثبت لهم القدرة لو اجتمعوا قادرين وبعضهم لبعض يعين، لكنهم سيعجزون. الدليل الثاني: وهو الدليل العقلي أن الأمة أجمعت من جميع الفرق والمذاهب أن الإعجاز يُنسب ويضاف إلى القرآن ولا يضاف إلى الله جلّ وعلا، فلا يقال (إعجاز الله بالقرآن) وإنما يقال باتفاق الجميع وبلا خلاف هو (إعجاز القرآن)، فإضافة الإعجاز إلى القرآن تدل على أن القرآن معجز في نفسه؛ لأننا لو قلنا الإعجاز إعجاز بالصرفة، إعجاز الله بصرفه الناس عن الإتيان بمثل هذا القرآن، فيكون الإعجاز بأمر خارج عن القرآن، صار الإعجاز صفة لقدرة الله جلّ وعلا؛ وهي صفة ربوبية.
أما الدليل السمعي هو قول الله جلّ وعلا {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء:88]، فالله جلّ وعلا أثبت أنّ الإنس والجن لو اجتمعت على أن تأتي بمثل هذا القرآن وصار بعضهم لبعض معينًا بالإتيان بمثل هذا القرآن أنهم لن يأتوا بمثله، وهذا إثبات لقدرتهم على ذلك؛ لأن اجتماعهم مع سلب القدرة عنهم بمنزلة اجتماع الأموات لتحصيل شيء من الأشياء، فالله جلّ وعلا بيّن أنهم لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن وكان بعضهم لبعض معينًا وظهيرًا على المعارضة، فإنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فأثبت لهم القدرة لو اجتمعوا قادرين وبعضهم لبعض يعين، لكنهم سيعجزون. الدليل الثاني: وهو الدليل العقلي أن الأمة أجمعت من جميع الفرق والمذاهب أن الإعجاز يُنسب ويضاف إلى القرآن ولا يضاف إلى الله جلّ وعلا، فلا يقال (إعجاز الله بالقرآن) وإنما يقال باتفاق الجميع وبلا خلاف هو (إعجاز القرآن)، فإضافة الإعجاز إلى القرآن تدل على أن القرآن معجز في نفسه؛ لأننا لو قلنا الإعجاز إعجاز بالصرفة، إعجاز الله بصرفه الناس عن الإتيان بمثل هذا القرآن، فيكون الإعجاز بأمر خارج عن القرآن، صار الإعجاز صفة لقدرة الله جلّ وعلا؛ وهي صفة ربوبية.
وهذا لاشك أنه دليل قوي في إبطال قول
هؤلاء.
لهذا المعتزلة المتأخرون ذهبوا على خلاف قول المتقدمين في الإعجاز بالصرفة؛ لأن قولهم لا يستقيم لا نقلاً ولا عقلاً.
القول الثاني: أن القرآن معجز بألفاظه، فألفاظ القرآن بلغت المنتهى في الفصاحة.
ولما تأمل أصحاب هذا القول جميع أقوال العرب في خطبهم وأشعارهم، وجدوا أن كلام المتكلم لابد أن يشتمل على لفظ دانٍ في الفصاحة، ولا يستقيم في كلام أي أحد -في المعلقات وفي خطب العرب ونثرهم ومراسلاتهم إلى آخره- لا يستقيم أن يكون كلامهم دائمًا في أعلى الفصاحة، فنظروا إلى هذه الجهة، فقالوا الفصاحة هي دليل إعجاز القرآن لأن العرب عاجزون.
لهذا المعتزلة المتأخرون ذهبوا على خلاف قول المتقدمين في الإعجاز بالصرفة؛ لأن قولهم لا يستقيم لا نقلاً ولا عقلاً.
القول الثاني: أن القرآن معجز بألفاظه، فألفاظ القرآن بلغت المنتهى في الفصاحة.
ولما تأمل أصحاب هذا القول جميع أقوال العرب في خطبهم وأشعارهم، وجدوا أن كلام المتكلم لابد أن يشتمل على لفظ دانٍ في الفصاحة، ولا يستقيم في كلام أي أحد -في المعلقات وفي خطب العرب ونثرهم ومراسلاتهم إلى آخره- لا يستقيم أن يكون كلامهم دائمًا في أعلى الفصاحة، فنظروا إلى هذه الجهة، فقالوا الفصاحة هي دليل إعجاز القرآن لأن العرب عاجزون.
الرأي في هذا القول:
هذا المذهب ليس بجيد؛ لأن القرآن اسم للألفاظ والمعاني، والله جلّ وعلا تحدى أن يؤتى بمثل هذا القرآن، أو بعشر سور مثله مفتريات، وهذه المثلية إنما هي:
هذا المذهب ليس بجيد؛ لأن القرآن اسم للألفاظ والمعاني، والله جلّ وعلا تحدى أن يؤتى بمثل هذا القرآن، أو بعشر سور مثله مفتريات، وهذه المثلية إنما هي:
· باللفظ
· والمعنى
· وصورة الكلام المتركبة.
فليس وجه الإعجاز في الألفاظ وحدها.
فليس وجه الإعجاز في الألفاظ وحدها.
القول الثالث: أنّ الإعجاز في المعاني وأما الألفاظ فهي على قارعة الطريق، مثل ما
يقول الجاحظ وغيره؛ يعني فيما ساقه في كتاب الحيوان يقول: "الشأن في المعاني
أما الألفاظ فهي ملقاة على قارعة الطريق" يعني أنّ الألفاظ يتداولها الناس؛
لكن الشأن في الدلالة بالألفاظ على المعاني.
الرأي في هذا القول:
وهذا لاشك أنه قصور؛ لأن القرآن معجز
بألفاظه وبمعانيه وبصورته العامة.
القول الرابع: أنّ القرآن معجز في نظمه، ومعنى النظم: الألفاظ المتركبة
والمعاني التي دلت عليها الألفاظ وما بينها من الروابط؛ هذه الروابط تكون
بصور بلاغية، وبصور نحوية عالية، وهذا المجموع سماه أصحاب هذا القول النَّظم.
وهذه هي مدرسة العلامة عبد القادر الجُرجاني المعروفة، كما كتب في "دلائل الإعجاز" وفي "أسرار البلاغة"، وهو قول مسبوق إليه من جهة الخطّابي وغيره، و لما قال به الجرجاني أراد به الردَّ على عبد الجبار المعتزلي في كتابه "المغني"، فإنه ألف كتاب المغني وجعل مجلدًا كاملاً في إعجاز القرآن، وردّ عليه بكتاب "دلائل الإعجاز" وأن الإعجاز راجع إلى نظم القرآن جميعًا، والمقصود بالنظم: تآلف الألفاظ والجمل مع دلالات المعاني البلاغية واللفظية، وما بينها من صلات نحوية عالية.
وهذه هي مدرسة العلامة عبد القادر الجُرجاني المعروفة، كما كتب في "دلائل الإعجاز" وفي "أسرار البلاغة"، وهو قول مسبوق إليه من جهة الخطّابي وغيره، و لما قال به الجرجاني أراد به الردَّ على عبد الجبار المعتزلي في كتابه "المغني"، فإنه ألف كتاب المغني وجعل مجلدًا كاملاً في إعجاز القرآن، وردّ عليه بكتاب "دلائل الإعجاز" وأن الإعجاز راجع إلى نظم القرآن جميعًا، والمقصود بالنظم: تآلف الألفاظ والجمل مع دلالات المعاني البلاغية واللفظية، وما بينها من صلات نحوية عالية.
الرأي في هذا القول:
وهذا القول قول جيد؛ ولكن لا ينبغي أن يُقصر عليه إعجاز القرآن.
القول الخامس: أن إعجاز القرآن فيما اشتمل عليه، فالقرآن اشتمل على أمور غيبية لا يمكن أن يأتي بها النبي عليه الصلاة والسلام؛ بأمر الماضي وبأمر المستقبل، واشتمل القرآن أيضا على أمور تشريعية لا يمكن أن تكون من عند النبي عليه الصلاة والسلام، واشتمل القرآن على هداية ومخالطة للنفوس لا يمكن أن تكون من عند بشر، وهذا قول لبعض المتقدمين وجمع من المعاصرين بأن القرآن مشتمل على هذه الأشياء جميعًا.
الرأي في هذا القول:
وهذا القول قول جيد؛ ولكن لا ينبغي أن يُقصر عليه إعجاز القرآن.
القول الخامس: أن إعجاز القرآن فيما اشتمل عليه، فالقرآن اشتمل على أمور غيبية لا يمكن أن يأتي بها النبي عليه الصلاة والسلام؛ بأمر الماضي وبأمر المستقبل، واشتمل القرآن أيضا على أمور تشريعية لا يمكن أن تكون من عند النبي عليه الصلاة والسلام، واشتمل القرآن على هداية ومخالطة للنفوس لا يمكن أن تكون من عند بشر، وهذا قول لبعض المتقدمين وجمع من المعاصرين بأن القرآن مشتمل على هذه الأشياء جميعًا.
الرأي في هذا القول:
ولكن هذا القول يُشكل عليه أنّ إعجاز
القرآن تُحديت به العرب، والعرب حينما خوطبوا به خوطبوا بكلام مشتمل على أشياء
كثيرة، وكان التحدي واقعًا أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة أو بعشر سور
مثله مفتريات كما زعموا، وهذا يؤول إلى ما تميزت به العرب، وهو مسألة البلاغة وما
تميزوا به من رِفعة الكلام وفصاحته وبلاغته، والعرب لم تكن متقدمة عارفة بالأمور
الطبية ولا بالأمور الفلسفية ولا بالأمور العقدية ولا بالغيبيات، وليس عندهم معرفة
بالتواريخ على تفاصيلها ونحو ذلك، حتى يقال إن الإعجاز وقع من هذه الجهة؛ لكنهم
خوطبوا بكلام من جنس ما يتكلمون به -يعني من جهة الألفاظ والحروف؛ لكنهم عجزوا عن
الإتيان بذلك.
القول السادس والأخير: أن القرآن معجز لأنه كلام الله جلّ وعلا، وكلام الله جلّ وعلا لا يمكن أن يشبه كلام المخلوق، وهذا القول هو الذي ذكره الطحاويُّ هنا، قال: "عَلِمْنَا وأَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر، وَمَنْ وَصَفَ الله بِمعنَى مِنْ مَعاني البشر، فقدْ كَفَر، فمن أبْصَرَ هذا اعْتَبر، وعَنْ مِثْلِ قول الكفَّارِ انْزَجَر، وعَلِمَ أنَّه بصفاته-التي منها القرآن- ليسَ كالبشر".
القول السادس والأخير: أن القرآن معجز لأنه كلام الله جلّ وعلا، وكلام الله جلّ وعلا لا يمكن أن يشبه كلام المخلوق، وهذا القول هو الذي ذكره الطحاويُّ هنا، قال: "عَلِمْنَا وأَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر، وَمَنْ وَصَفَ الله بِمعنَى مِنْ مَعاني البشر، فقدْ كَفَر، فمن أبْصَرَ هذا اعْتَبر، وعَنْ مِثْلِ قول الكفَّارِ انْزَجَر، وعَلِمَ أنَّه بصفاته-التي منها القرآن- ليسَ كالبشر".
الرأي في هذا القول:
وهذا القول الذي أشار إليه لو يتفرغ
إليه شارحوا هذه الرسالة سواء من السلفيين أو من المبتدعة من الماتريديين وغيرهم
في تقرير هذه المسألة، فهو من أرفع وأعظم الأقوال؛ بل هو قول الحق في هذه المسألة:
أنّ كلام الله جلّ وعلا لا يمكن أن يشبه كلام البشر.
الدليل العقلي على هذا القول:
الدليل العقلي على هذا القول:
خذ مثلاً فيما يتميز به المخلوقات ترى
فلانًا فتقول: هذا عربي، وترى آخر فتقول هذا: أوروبي، وترى ثالثًا فتقول: هذا من
شرق آسيا،لم؟ لأنّ الصفة العامة دلت على ذلك، ولو أخذ الآخذ يعدَّد لأخذ يعدد
أشياء كثيرة متنوعة دلته على أن هذه الصورة هي صورة عربي، وهذه الصورة صورة أوربي،
وهذه الصورة الخَلقية صورة من شرق آسيا وهكذا.
فإذن الصورة العامة بها تتفرق الأشياء.
فإذن الصورة العامة بها تتفرق الأشياء.
كذلك كلام الناس يختلف بعضه عن بعض،
إذا سمعنا كلامًا نقول: هذا من قول الصحابة أو من قول السلف؛ لأن كلامهم لا يشبه
كلام المتأخرين، كما قال ابن رجب: "كلام السلف قليل كثير الفائدة وكلام الخلف
كثير قليل الفائدة" فكلام السلف له صورة عامة تعلم أن هذا من كلام السلف، فلو
أتينا بكلام إنسان معاصر وبكلمات له كثيرة وقارناها بكلام السلف لاتضح الفرق.
فإذن البشر المخلوقين في كلامهم تباين، إذا رأيت كلام الإمام أحمد تقول هذا ليس بكلام ابن تيمية، ترى كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تقريره تقول: هذا ليس بكلام النووي، إذا رأيت كلام الإمام أحمد تقول هذا ليس بكلام أبي حنيفة وهكذا.
فإذن الكلام له صورة وهيئة، من سمعها ميّز هذا الكلام، وهذا هو الذي أشار إليه الطحاويُّ بأنّ كلام الله جلَّ وعلا لا يشبه كلام البشر.
إذا تبين ذلك فإنّ كلام الله جلَّ وعلا صفته، فهذا القرآن من سمعه أيقن بأنه ليس بكلام البشر، ولهذا بعض الأدباء الغواة مثل ابن المقفَّع والمعرّي ونحو ذلك أرادوا معارضة القرآن بصورة أدبية فظهر؛ بل اُفتضحوا في ذلك فغيروا منحاهم إلى منحى التأثير إلى ما أشبه ذلك في كتبهم المعروفة وهي مطبوعة، أرادوا المعارضة من جهة المعاني، من جهة الألفاظ أن يأتوا بشيء، لكن اُفتضحوا لأن كلام البشر لا يمكن أن يكون مثل كلام الله جلّ وعلا.
العرب هم الغاية في البيان، هم الغاية في معرفة الفصاحة، هم الغاية في معرفة تركيب الكلام؛ لكنهم لما سمعوا القرآن ما استطاعوا أن يعارضوه ؛ لأنّ الكلام لا يشبه الكلام، لا يمكن أن يعارضوه؛ لأن كلام الله جلّ وعلا لا يشبه كلام المخلوق.
إذا تبين لك ذلك، فنقول إذن:
فإذن البشر المخلوقين في كلامهم تباين، إذا رأيت كلام الإمام أحمد تقول هذا ليس بكلام ابن تيمية، ترى كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تقريره تقول: هذا ليس بكلام النووي، إذا رأيت كلام الإمام أحمد تقول هذا ليس بكلام أبي حنيفة وهكذا.
فإذن الكلام له صورة وهيئة، من سمعها ميّز هذا الكلام، وهذا هو الذي أشار إليه الطحاويُّ بأنّ كلام الله جلَّ وعلا لا يشبه كلام البشر.
إذا تبين ذلك فإنّ كلام الله جلَّ وعلا صفته، فهذا القرآن من سمعه أيقن بأنه ليس بكلام البشر، ولهذا بعض الأدباء الغواة مثل ابن المقفَّع والمعرّي ونحو ذلك أرادوا معارضة القرآن بصورة أدبية فظهر؛ بل اُفتضحوا في ذلك فغيروا منحاهم إلى منحى التأثير إلى ما أشبه ذلك في كتبهم المعروفة وهي مطبوعة، أرادوا المعارضة من جهة المعاني، من جهة الألفاظ أن يأتوا بشيء، لكن اُفتضحوا لأن كلام البشر لا يمكن أن يكون مثل كلام الله جلّ وعلا.
العرب هم الغاية في البيان، هم الغاية في معرفة الفصاحة، هم الغاية في معرفة تركيب الكلام؛ لكنهم لما سمعوا القرآن ما استطاعوا أن يعارضوه ؛ لأنّ الكلام لا يشبه الكلام، لا يمكن أن يعارضوه؛ لأن كلام الله جلّ وعلا لا يشبه كلام المخلوق.
إذا تبين لك ذلك، فنقول إذن:
ما نقرره هو أنّ وجه الإعجاز
في كلام الله جلّ وعلا هو:
أن كلام الله سبحانه وتعالى لا يشبه
كلام البشر، ولا يماثل كلام البشر، وأن البشر لا يمكن أن يقولوا شيئا يماثل صفة
الله جلّ وعلا، والناس لا يستطيعون على اختلاف طبقاتهم وتنوِّع مشاربهم أن يتلقوا
أعظم من هذا الكلام، وإلا فلو تحمّل البشر أعظم من القرآن، لكانت الحجة أعظم؛
لكنهم لا يتحملون أكثر من هذا القرآن، لهذا تجد التفاسير من أول الزمان إلى الآن
وكل واحد يُخرج من عجائب القرآن ما يُخرج، والقرآن كنوزه لا تنفذ، ولا يفتر على
كثرة الردّ، لا من جهة التِّلاوة ولا من جهة التفسير.إذا تبين لك ذلك فكلام الطحاوي هذا من أنفس ما سمعت وأصح الأقوال في مسألة
إعجاز القرآن وهو أن الكلام لا يشبه الكلام.
أوجه إعجاز القرآن هي خصائص كلام الله:
إذا تبين هذا فنقول كلام الله جلّ وعلا في كونه لا يشبه كلام البشر له خصائص، فأوجه إعجاز القرآن التي ذكرها من ذكر، نقول هي خصائص لكلام الله جلّ وعلا أوجبت أن يكون كلام الله جلّ وعلا ليس ككلام البشر.مثل ما يقول الواحد: والله هذا الشعر موزون هذا البيت فيه كسر، أو هذا البيت ما يمكن أن يكون كذا، لماذا؟ في هيئته العامة؛ لكن عنده برهان، يأتيك يقول لأنه كذا، وكذا، وكذا.
فلان هذا بخصاله دلنا بصفاته وحركاته وتصرفاته على أنه ليس بعربي، هذه القضية العامة لم؟ له أدلة عليها.
إذا تبين هذا فنقول كلام الله جلّ وعلا في كونه لا يشبه كلام البشر له خصائص، فأوجه إعجاز القرآن التي ذكرها من ذكر، نقول هي خصائص لكلام الله جلّ وعلا أوجبت أن يكون كلام الله جلّ وعلا ليس ككلام البشر.مثل ما يقول الواحد: والله هذا الشعر موزون هذا البيت فيه كسر، أو هذا البيت ما يمكن أن يكون كذا، لماذا؟ في هيئته العامة؛ لكن عنده برهان، يأتيك يقول لأنه كذا، وكذا، وكذا.
فلان هذا بخصاله دلنا بصفاته وحركاته وتصرفاته على أنه ليس بعربي، هذه القضية العامة لم؟ له أدلة عليها.
نقول هذا الحديث ضعيف أو هذا الحديث
معلول، ما وجه علته؟ مثل ما قال أبو حاتم وغيره ممن تقدمه: "إنّ أهل الحديث
يعرفون العلة كما يعرف صاحب الجوهر الزَّيْف من النَّقي".
يقول: هذا الكتاب طبعته طبعة حجرية،
هذا الكتاب مطبوع في الهند ،كيف عرفته أنه مطبوع في الهند وليس فيه اسم البلاد؟
هذا البرهان، ولكن الصفة العامة هي هذه.
ولهذا نقول حتى تخلص من إشكال عظيم في
مسألة إعجاز القرآن:
إنّ كلامَ الله جلَّ وعلا ليس ككلام
البشر، وكلام الله جلّ وعلا له خصائص ميزته عن كلام البشر.
ما هي خصائص كلام الله تعالى أو (ما هي أوجه إعجاز القرآن)؟
الوجه الأول: أن القرآن اشتمل على ألفاظ العرب جميعًا، تجد القرآن فيه كلمات بلغة قريش، وفيه كلمات بلغة هذيل، وفيه كلمات بلغة تميم، وفيه كلمات بلغة هوازن، وفيه كلمات بلغة أهل اليمن، وفيه بلغات كثيرة بلغة حِمْيَر، {وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} [النجم:61]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "السمود: الغناء بلغة حمير".
بعض قريش خفي عليها بعض الكلمات مثل ما قال عمر رضي الله عنه لما تلا سورة النحل في يوم الجمعة في الخطبة، فوقف عند قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}[النحل:47]، نظر فقال: ما التخوف؟ فسكت الحاضرون، فقام رجل من هذيل فقال: يا أمير المؤمنين التخوّف في لغتنا: التَّنَقُّص، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي:
تخوّف الرَّحْلُ منها تامكًا فردًا كما تَخَوَّف عودُ النّبعة السَّفِنُ
يعني (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ): يبدأ يتنقص شيئًا فشيئًا، ينقصون عما كانوا فيه من النعمة شيئًا فشيئًا، حتى يأتيهم الأجل، فعمر رضي الله عنه القرشي خفيت عليه هذه الكلمة؛ لأنها بلغة أخرى.
ولا يمكن أحدًا من العرب أن يحيط بلغة العرب جميعًا، بألفاظها وتفاصيلها، هذا لا يمكن، ولهذا تجد في القرآن الكلمة بلغة مختلفة، وتجد فيه التركيب النحوي بلغة من لغات العرب، فيكون مثلاً على لغة حِمير في النحو، أو على لغة سَدوس في النحو، أو على لغة هذيل في النحو.
فإذن الألفاظ والمعاني والتراكيب النحوية في القرآن تنوَّعت، ودخل فيها كل لغات العرب، هذا لا يمكن أن يكون من كلام أحد، لا يمكن أن يحيط هذه الإحاطة إلا من خلق الخلق وهو ربُّ العالمين.
الوجه الثاني: أن ألفاظ القرآن جميعها بلغت الأعلى في الفصاحة، والفصاحة راجعة إلى الكلمات جميعًا؛ الأسماء والأفعال والحروف، حتى {الـم} فصيح،
وما استطاع أحدٌ من العرب الذين أنزل عليهم القرآن أن يُعيبوا القرآن في لفظه كما عابوا كلام بعضهم بعضًا، بل قال قائلهم: إن له لحلاوة وإن عليه لطُلاوة. إلى آخر كلامه. الوجه الثالث: المعاني، المعاني التي يتصورها البشر عندما يتكلمون لابد أن يكون فيها قصور، فإذا تكلم البشر في المعاني العَقدية فلابد أن يكون عنده لاشك قصور، إذا تكلم في العاني التشريعية لابد أن يظهر خلل، إذا تكلم في المعاني الإصلاحية التهذيبية لابد أن يكون فيها خلل، ولهذا قال جلّ وعلا {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82].
فإذن تنوع المعاني على هذا الوجه الثاني بما يناسب المعاني الكثيرة التي يحتاجها الناس يدل على أن هذا كلام الله جلّ وعلا؛ يعني أنه صفته.
هذه خصائص أو أوجه الإعجاز بها صار القرآن معجزًا بجميعها، لا بواحدة منها.
الوجه الرابع: أنَّ القرآن فيه النَّظم مثل ما قال الجُرجاني -وهو من أحسن النظريات والكلام في إعجاز القرآن من جهة البيان- أن القرآن فيه القمة في فصاحة الألفاظ وفي البلاغة، البلاغة متركبة من أشياء؛ متركبة من ألفاظ ومن معانٍ ومن الروابط التي تربط بين الألفاظ والمعاني وتصل الجمل بعضها ببعض.
فمن خصائص القرآن أن نظمه؛ يعني أن تركيب الكلام والآيات وتركيب الجمل في الآية الواحدة يدل على أنه الغاية في البيان، ولا يمكن للجن والإنس لو اجتمعوا أن يكونوا دائمًا على أعلى مستوى في هذا النظم، ولهذا تجد أن تفاسير القرآن حارت في القرآن، حتى التفاسير المتخصصة في النحو تجده ينشط في أوله وتجده يعجز في آخره، آخر تجد المفسِّر يريد أن يبين بلاغة القرآن، فيجوِّد في موضع ثم بعد ذلك تأتي مواضع يكسل، ما يستطيع أن يُبين ذلك.
لهذا قال من قال من أهل العلم: العلوم ثلاثة:
* علم نضج واحترق.
* وعلم نضج ولم يحترق.
* وعلم لم ينضج ولم يحترق.
والثالث هو التفسير، لم ينضج ولم يحترق؛ لأنه على كثرة المؤلفات في التفسير وهي مئات فإنها لم تأتِ على كل ما في القرآن؛ لأن الإنسان يعجز، يعجز المبين أن يُبين عن كل ما في القرآن.
إذن نظرية النظم التي ذكرها الجرجاني لا شك أنها دالة على صفة من صفات القرآن. الوجه الخامس: أنَّ القرآن له سلطان على النفوس، وليس ثَمَّ من كلام البشر ما له سلطان على النفوس في كل الكلام، ولكن القرآن له سلطان على النفوس بما تميز به من كلام الله جلّ وعلا؛ لأنه كلام الله جلّ وعلا، مثل ما صار السلطان على ذلك المشرك؛ يعني أنه يرغم الأنوف.
ولقد كان مرة أحد الدعاة يخطب بالعربية وفي أثناء خطبته يورد آيات من القرآن العظيم يتلوها، فكانت امرأة كافرة لا تحسن الكلام العربي ولا تعرفه، فلما انتهى الخطيب من خطبته استوقفته وقالت: كلامك له نَمَط، وتأتي في كلامك بكلمات مختلفة في رنتها وفي قرعها للأذن عن بقية كلامك، فما هذه الكلمات؟ فقال: هي القرآن.
وهذا لا شك إذا سمعت القرآن تجد له سلطان على النفس، ينبئ النفس على الاستسلام له، إلا لمن ركب هواه.
هذا السلطان تجده في أشياء:
1- أن آيات القرآن أن آيات القرآن في السورة الواحدة -كما هو معلوم- لم تُجعل آيات العقيدة على حدة، وآيات الشريعة على حدة؛ الأحكام، وآيات السلوك على حدة، إلى آخره؛ بل الجميع كانت هذه وراء هذه، فآية تخاطب المؤمنين، وآية تخاطب المنافقين، وآية تخاطب النفس، وآية فيها العقيدة، وآية فيها قصص الماضين، وآية تليها فيها من سيأتي، وآية فيها الوعد وآية فيها الوعيد، وآية فيها ذكر الجنة وذكر النار، وآية فيها التشريع، ثم يرجع إلى آية أخرى فيها أصل الخلق قصة آدم، وهكذا، في تنوع.
وهذا من أسرار السلطان الذي يكون للقرآن على النفوس؛ لأن الأنفس متنوعة، بل النفس الواحدة لها مشارب، فالنفس تارة يأتيها الترغيب، وتارة يأتيها الترهيب، وتارة تتأثر بالمَثَل، تارة تتأثر بالقصة، تارة هي ملزمة بالعمل، تارة هي ملزمة بالاعتقاد، فَكَوْنُ هذه وراء هذه وراء هذه تُغْدِقُ على النفس البشرية أنواع ما تتأثر به، وهذا لا يمكن أن يكون إلا من كلام مَن خلق هذه النفس البشرية، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك:14]، فتجد أن القرآن يحاصرك، فأيُّ إنسان أراد أن يفرَّ لا يمكن أن يفرَّ من القرآن، سيأتيه آيات فيها قوة في وصف الكافرين، آيات فيها قوة في وصف المنافقين، آيات فيها قوة في وصف المؤمنين، آيات فيها العقيدة، فيها الماضي، فيها الحاضر، فيها النبوة، فيها الرسالة، فيها الدلائل، فيها حال المشركين، إلى آخر ما يحصل على النفس الحية والعقل الواعي الذي يتحرك وعنده همة يحصر عليه الهروب، وهذا لا يمكن أن يحصره في أنواع النفس البشرية الواحدة إلا من خلق هذه النفس وتكلم بهذا القرآن لإصلاحها، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9].
2- خطاب القرآن للإنفس المتنوعة، هذا الذي يصلح له الترغيب، وهذا الذي يصلح له الترهيب، وهذا الذي يصلح له وصف الجنة، وهذا الذي ينشأ عنده الإيمان بالجهاد ونحو ذلك، تنوع الأنفس وخطاب القرآن للناس جميعا على تنوع أنفسهم هذا دليل ثانٍ على أن القرآن له سلطان على النفوس.
3- أيضًا تجد أن القرآن خُوطب به من عنده فنّ الشعر وما يسميه بعض الناس موسيقى الكلام -يعني رنات الكلام- بعض الناس عندهم شفافية في التأثر باللحن، بالرَّنات، بالصعود والنزول في نغمة الكلام، هذا أيضًا هذا النوع من الناس تجد في القرآن ما يجبره على أن يستسلم له.
لَبيد بن رَبيعة صاحب معلقة وصاحب ديوان مشهور، قيل له: ألا تنشدنا من قصائدك، لم وقفت عن الشعر؟ قال: أغناني عن الشعر وتذوقه -أو كما قال- سورتا البقرة وآل عمران؛ لأنه هو له تذوق في هذا الفن بخصوصه، فيأتي القرآن فيجعل سلطانه على النفس فيقصره قصرًا، لهذا قال جلّ وعلا: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ(41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[فصلت:41-42]، وقال سبحانه: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت:44].
الوجه السادس: أنّ القرآن فيه الفصل في الأمور الغيبية، فثَمَّ أشياء في القرآن أُنزلت على محمد عليه الصلاة والسلام وكان عليه الصلاة والسلام أميًا، مالم يظهر وجه بيانها وحجتها في كمال أطرها إلا في العصر الحاضر، وهو الذي اعتنى به طائفة من الناس وسموه (الإعجاز العلمي في القرآن)، والإعجاز العلمي في القرآن حق؛ لكن له مواضع توسع فيه بعضهم فخرجوا به عن المقصود إلى أن يجعلوا آيات القرآن خاضعة للنظريات، وهذا باطل؛ بل النظريات خاضعة للقرآن، لأن القرآن حق من عند الله والنظريات من صنع البشر، لكن بالفهم الصحيح للقرآن، فثَمَّ أشياء من الإعجاز العلمي حق لم يكن يعلمها الصحابة رضوان الله عليهم على كمال معناها، وإنما علموا أصل المعنى، فظهرت في العصر الحاضر في أصول من الإعجاز العلمي، الإعجاز الاقتصادي، الإعجاز التشريعي، الإعجاز العَقدي أشياء تكلم عنها الناس في هذا العصر، وكل واحدة منها دالة على أن هذا القرآن من عند الله جلّ وعلا: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82].
الوجه السابع والأخير: أنّ القرآن من صفاته أنّ الإنسان المؤمن كلما ازداد من القرآن ازداد حبًا في الله جلّ وعلا، وهذا راجع إلى الإيمان، وراجع إلى أن صفة القرآن فيها زيادة في الهدى والشفاء للقلوب، فالأوامر والنواهي والأخبار التي في القرآن هي هدى وشفاء لما في القلوب، كما قال سبحانه: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت:44]، وهذا سلطان خاص على الذين آمنوا في أنه يهديهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور في الفصل في المسائل العلمية وفي المسائل العملية، لهذا لا تأتي فتنة ولا اشتباه إلا وعند المؤمن البصيرة بما في هذا القرآن؛ {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9]، {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت:44]، {وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء:82]، وهذا أيضًا سلطان خاص يزيد المؤمن إيمانًا، لهذا إذا تليت على المؤمن آيات الله جلّ وعلا: {زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال:2]، لما فيه من السلطان على النفوس.
إذا تبين لك ذلك فكلام الله جلَّ وعلا قديم النوع حادث الآحاد، والقرآن من الحادث الآحاد وقت التنزُّل؛ كما قال جلّ وعلا: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ(2)لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}[الإسراء:2-3] إلى آخر الآيات؛ يعني أنّ الله جلَّ وعلا تكلم به، وكلام الله جل وعلا أوسع من الكلام بالقرآن، والقرآن جاء على هذا النحو؛ لأنه هو الذي يتحمله الإنسان، لأن الإنس والجن لا يتحملون أكثر من هذا، وإلا لصار عليهم كلفة وعَنَت.
بهذا يتبين لك ما ظهر لي من تحصيل أقوال أهل العلم لهذه المسألة العظيمة التي خاض فيها المعتزلة، وخاض فيها الأشاعرة، وقلّ بل ندر من أهل السنّة من خاض فيها على هذا النحو، بل لا أعلم من جمع فيها الأوجه على هذا النحو في كتب العقائد؛ بل تجدها متفرقة في كتب كثيرة في البلاغة، وفي الدراسات في إعجاز القرآن، وفي التفسير، وفي كتب متنوعة.
وما أجمل قول الطحاويِّ رحمه الله رحمة واسعة: "أَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر" وهذا هو الحق، فالقرآن بصورته وهيئته وصفته لا يمكن أن يشبه قول البشر، حتى في رَسْمه وتنوِّع آياته وسوره لا يمكن أن يشبه قول البشر.
أسال الله جلّ وعلا أن يغرس الإيمان في قلوبنا غرسًا عظيمًا، وأن يجعلنا من أوليائه الصالحين، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا.
وأسأله سبحانه أن يوفقنا وأن يوفق ولاة أمورنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا وإياهم من المتعاونين على البرِّ والتقوى.
كما أسأله سبحانه أن ينور قلوبنا بالدعاء، وأن يجعلنا من أوليائه إنه سبحانه جواد كريم، وصلى والله وسلم وبارك على نبينا محمد.
[الأسئلة]
س2/ هل يوجد في القرآن ألفاظ أعجمية، وما معنى {ألم}{المر}، {حم}؟
ما هي خصائص كلام الله تعالى أو (ما هي أوجه إعجاز القرآن)؟
الوجه الأول: أن القرآن اشتمل على ألفاظ العرب جميعًا، تجد القرآن فيه كلمات بلغة قريش، وفيه كلمات بلغة هذيل، وفيه كلمات بلغة تميم، وفيه كلمات بلغة هوازن، وفيه كلمات بلغة أهل اليمن، وفيه بلغات كثيرة بلغة حِمْيَر، {وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} [النجم:61]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "السمود: الغناء بلغة حمير".
بعض قريش خفي عليها بعض الكلمات مثل ما قال عمر رضي الله عنه لما تلا سورة النحل في يوم الجمعة في الخطبة، فوقف عند قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}[النحل:47]، نظر فقال: ما التخوف؟ فسكت الحاضرون، فقام رجل من هذيل فقال: يا أمير المؤمنين التخوّف في لغتنا: التَّنَقُّص، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي:
تخوّف الرَّحْلُ منها تامكًا فردًا كما تَخَوَّف عودُ النّبعة السَّفِنُ
يعني (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ): يبدأ يتنقص شيئًا فشيئًا، ينقصون عما كانوا فيه من النعمة شيئًا فشيئًا، حتى يأتيهم الأجل، فعمر رضي الله عنه القرشي خفيت عليه هذه الكلمة؛ لأنها بلغة أخرى.
ولا يمكن أحدًا من العرب أن يحيط بلغة العرب جميعًا، بألفاظها وتفاصيلها، هذا لا يمكن، ولهذا تجد في القرآن الكلمة بلغة مختلفة، وتجد فيه التركيب النحوي بلغة من لغات العرب، فيكون مثلاً على لغة حِمير في النحو، أو على لغة سَدوس في النحو، أو على لغة هذيل في النحو.
فإذن الألفاظ والمعاني والتراكيب النحوية في القرآن تنوَّعت، ودخل فيها كل لغات العرب، هذا لا يمكن أن يكون من كلام أحد، لا يمكن أن يحيط هذه الإحاطة إلا من خلق الخلق وهو ربُّ العالمين.
الوجه الثاني: أن ألفاظ القرآن جميعها بلغت الأعلى في الفصاحة، والفصاحة راجعة إلى الكلمات جميعًا؛ الأسماء والأفعال والحروف، حتى {الـم} فصيح،
وما استطاع أحدٌ من العرب الذين أنزل عليهم القرآن أن يُعيبوا القرآن في لفظه كما عابوا كلام بعضهم بعضًا، بل قال قائلهم: إن له لحلاوة وإن عليه لطُلاوة. إلى آخر كلامه. الوجه الثالث: المعاني، المعاني التي يتصورها البشر عندما يتكلمون لابد أن يكون فيها قصور، فإذا تكلم البشر في المعاني العَقدية فلابد أن يكون عنده لاشك قصور، إذا تكلم في العاني التشريعية لابد أن يظهر خلل، إذا تكلم في المعاني الإصلاحية التهذيبية لابد أن يكون فيها خلل، ولهذا قال جلّ وعلا {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82].
فإذن تنوع المعاني على هذا الوجه الثاني بما يناسب المعاني الكثيرة التي يحتاجها الناس يدل على أن هذا كلام الله جلّ وعلا؛ يعني أنه صفته.
هذه خصائص أو أوجه الإعجاز بها صار القرآن معجزًا بجميعها، لا بواحدة منها.
الوجه الرابع: أنَّ القرآن فيه النَّظم مثل ما قال الجُرجاني -وهو من أحسن النظريات والكلام في إعجاز القرآن من جهة البيان- أن القرآن فيه القمة في فصاحة الألفاظ وفي البلاغة، البلاغة متركبة من أشياء؛ متركبة من ألفاظ ومن معانٍ ومن الروابط التي تربط بين الألفاظ والمعاني وتصل الجمل بعضها ببعض.
فمن خصائص القرآن أن نظمه؛ يعني أن تركيب الكلام والآيات وتركيب الجمل في الآية الواحدة يدل على أنه الغاية في البيان، ولا يمكن للجن والإنس لو اجتمعوا أن يكونوا دائمًا على أعلى مستوى في هذا النظم، ولهذا تجد أن تفاسير القرآن حارت في القرآن، حتى التفاسير المتخصصة في النحو تجده ينشط في أوله وتجده يعجز في آخره، آخر تجد المفسِّر يريد أن يبين بلاغة القرآن، فيجوِّد في موضع ثم بعد ذلك تأتي مواضع يكسل، ما يستطيع أن يُبين ذلك.
لهذا قال من قال من أهل العلم: العلوم ثلاثة:
* علم نضج واحترق.
* وعلم نضج ولم يحترق.
* وعلم لم ينضج ولم يحترق.
والثالث هو التفسير، لم ينضج ولم يحترق؛ لأنه على كثرة المؤلفات في التفسير وهي مئات فإنها لم تأتِ على كل ما في القرآن؛ لأن الإنسان يعجز، يعجز المبين أن يُبين عن كل ما في القرآن.
إذن نظرية النظم التي ذكرها الجرجاني لا شك أنها دالة على صفة من صفات القرآن. الوجه الخامس: أنَّ القرآن له سلطان على النفوس، وليس ثَمَّ من كلام البشر ما له سلطان على النفوس في كل الكلام، ولكن القرآن له سلطان على النفوس بما تميز به من كلام الله جلّ وعلا؛ لأنه كلام الله جلّ وعلا، مثل ما صار السلطان على ذلك المشرك؛ يعني أنه يرغم الأنوف.
ولقد كان مرة أحد الدعاة يخطب بالعربية وفي أثناء خطبته يورد آيات من القرآن العظيم يتلوها، فكانت امرأة كافرة لا تحسن الكلام العربي ولا تعرفه، فلما انتهى الخطيب من خطبته استوقفته وقالت: كلامك له نَمَط، وتأتي في كلامك بكلمات مختلفة في رنتها وفي قرعها للأذن عن بقية كلامك، فما هذه الكلمات؟ فقال: هي القرآن.
وهذا لا شك إذا سمعت القرآن تجد له سلطان على النفس، ينبئ النفس على الاستسلام له، إلا لمن ركب هواه.
هذا السلطان تجده في أشياء:
1- أن آيات القرآن أن آيات القرآن في السورة الواحدة -كما هو معلوم- لم تُجعل آيات العقيدة على حدة، وآيات الشريعة على حدة؛ الأحكام، وآيات السلوك على حدة، إلى آخره؛ بل الجميع كانت هذه وراء هذه، فآية تخاطب المؤمنين، وآية تخاطب المنافقين، وآية تخاطب النفس، وآية فيها العقيدة، وآية فيها قصص الماضين، وآية تليها فيها من سيأتي، وآية فيها الوعد وآية فيها الوعيد، وآية فيها ذكر الجنة وذكر النار، وآية فيها التشريع، ثم يرجع إلى آية أخرى فيها أصل الخلق قصة آدم، وهكذا، في تنوع.
وهذا من أسرار السلطان الذي يكون للقرآن على النفوس؛ لأن الأنفس متنوعة، بل النفس الواحدة لها مشارب، فالنفس تارة يأتيها الترغيب، وتارة يأتيها الترهيب، وتارة تتأثر بالمَثَل، تارة تتأثر بالقصة، تارة هي ملزمة بالعمل، تارة هي ملزمة بالاعتقاد، فَكَوْنُ هذه وراء هذه وراء هذه تُغْدِقُ على النفس البشرية أنواع ما تتأثر به، وهذا لا يمكن أن يكون إلا من كلام مَن خلق هذه النفس البشرية، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك:14]، فتجد أن القرآن يحاصرك، فأيُّ إنسان أراد أن يفرَّ لا يمكن أن يفرَّ من القرآن، سيأتيه آيات فيها قوة في وصف الكافرين، آيات فيها قوة في وصف المنافقين، آيات فيها قوة في وصف المؤمنين، آيات فيها العقيدة، فيها الماضي، فيها الحاضر، فيها النبوة، فيها الرسالة، فيها الدلائل، فيها حال المشركين، إلى آخر ما يحصل على النفس الحية والعقل الواعي الذي يتحرك وعنده همة يحصر عليه الهروب، وهذا لا يمكن أن يحصره في أنواع النفس البشرية الواحدة إلا من خلق هذه النفس وتكلم بهذا القرآن لإصلاحها، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9].
2- خطاب القرآن للإنفس المتنوعة، هذا الذي يصلح له الترغيب، وهذا الذي يصلح له الترهيب، وهذا الذي يصلح له وصف الجنة، وهذا الذي ينشأ عنده الإيمان بالجهاد ونحو ذلك، تنوع الأنفس وخطاب القرآن للناس جميعا على تنوع أنفسهم هذا دليل ثانٍ على أن القرآن له سلطان على النفوس.
3- أيضًا تجد أن القرآن خُوطب به من عنده فنّ الشعر وما يسميه بعض الناس موسيقى الكلام -يعني رنات الكلام- بعض الناس عندهم شفافية في التأثر باللحن، بالرَّنات، بالصعود والنزول في نغمة الكلام، هذا أيضًا هذا النوع من الناس تجد في القرآن ما يجبره على أن يستسلم له.
لَبيد بن رَبيعة صاحب معلقة وصاحب ديوان مشهور، قيل له: ألا تنشدنا من قصائدك، لم وقفت عن الشعر؟ قال: أغناني عن الشعر وتذوقه -أو كما قال- سورتا البقرة وآل عمران؛ لأنه هو له تذوق في هذا الفن بخصوصه، فيأتي القرآن فيجعل سلطانه على النفس فيقصره قصرًا، لهذا قال جلّ وعلا: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ(41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}[فصلت:41-42]، وقال سبحانه: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت:44].
الوجه السادس: أنّ القرآن فيه الفصل في الأمور الغيبية، فثَمَّ أشياء في القرآن أُنزلت على محمد عليه الصلاة والسلام وكان عليه الصلاة والسلام أميًا، مالم يظهر وجه بيانها وحجتها في كمال أطرها إلا في العصر الحاضر، وهو الذي اعتنى به طائفة من الناس وسموه (الإعجاز العلمي في القرآن)، والإعجاز العلمي في القرآن حق؛ لكن له مواضع توسع فيه بعضهم فخرجوا به عن المقصود إلى أن يجعلوا آيات القرآن خاضعة للنظريات، وهذا باطل؛ بل النظريات خاضعة للقرآن، لأن القرآن حق من عند الله والنظريات من صنع البشر، لكن بالفهم الصحيح للقرآن، فثَمَّ أشياء من الإعجاز العلمي حق لم يكن يعلمها الصحابة رضوان الله عليهم على كمال معناها، وإنما علموا أصل المعنى، فظهرت في العصر الحاضر في أصول من الإعجاز العلمي، الإعجاز الاقتصادي، الإعجاز التشريعي، الإعجاز العَقدي أشياء تكلم عنها الناس في هذا العصر، وكل واحدة منها دالة على أن هذا القرآن من عند الله جلّ وعلا: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82].
الوجه السابع والأخير: أنّ القرآن من صفاته أنّ الإنسان المؤمن كلما ازداد من القرآن ازداد حبًا في الله جلّ وعلا، وهذا راجع إلى الإيمان، وراجع إلى أن صفة القرآن فيها زيادة في الهدى والشفاء للقلوب، فالأوامر والنواهي والأخبار التي في القرآن هي هدى وشفاء لما في القلوب، كما قال سبحانه: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت:44]، وهذا سلطان خاص على الذين آمنوا في أنه يهديهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور في الفصل في المسائل العلمية وفي المسائل العملية، لهذا لا تأتي فتنة ولا اشتباه إلا وعند المؤمن البصيرة بما في هذا القرآن؛ {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9]، {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت:44]، {وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء:82]، وهذا أيضًا سلطان خاص يزيد المؤمن إيمانًا، لهذا إذا تليت على المؤمن آيات الله جلّ وعلا: {زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال:2]، لما فيه من السلطان على النفوس.
إذا تبين لك ذلك فكلام الله جلَّ وعلا قديم النوع حادث الآحاد، والقرآن من الحادث الآحاد وقت التنزُّل؛ كما قال جلّ وعلا: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ(2)لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}[الإسراء:2-3] إلى آخر الآيات؛ يعني أنّ الله جلَّ وعلا تكلم به، وكلام الله جل وعلا أوسع من الكلام بالقرآن، والقرآن جاء على هذا النحو؛ لأنه هو الذي يتحمله الإنسان، لأن الإنس والجن لا يتحملون أكثر من هذا، وإلا لصار عليهم كلفة وعَنَت.
بهذا يتبين لك ما ظهر لي من تحصيل أقوال أهل العلم لهذه المسألة العظيمة التي خاض فيها المعتزلة، وخاض فيها الأشاعرة، وقلّ بل ندر من أهل السنّة من خاض فيها على هذا النحو، بل لا أعلم من جمع فيها الأوجه على هذا النحو في كتب العقائد؛ بل تجدها متفرقة في كتب كثيرة في البلاغة، وفي الدراسات في إعجاز القرآن، وفي التفسير، وفي كتب متنوعة.
وما أجمل قول الطحاويِّ رحمه الله رحمة واسعة: "أَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر" وهذا هو الحق، فالقرآن بصورته وهيئته وصفته لا يمكن أن يشبه قول البشر، حتى في رَسْمه وتنوِّع آياته وسوره لا يمكن أن يشبه قول البشر.
أسال الله جلّ وعلا أن يغرس الإيمان في قلوبنا غرسًا عظيمًا، وأن يجعلنا من أوليائه الصالحين، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا.
وأسأله سبحانه أن يوفقنا وأن يوفق ولاة أمورنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا وإياهم من المتعاونين على البرِّ والتقوى.
كما أسأله سبحانه أن ينور قلوبنا بالدعاء، وأن يجعلنا من أوليائه إنه سبحانه جواد كريم، وصلى والله وسلم وبارك على نبينا محمد.
[الأسئلة]
س2/ هل يوجد في القرآن ألفاظ أعجمية، وما معنى {ألم}{المر}، {حم}؟
ج/ الجواب: الكلمات الأعجمية في القرآن
أعجمية الأصل لكنها عربية الاستعمال، ومعلوم أنّ العرب لما استعملوا هذه الكلمات
صارت عربية كالسندس والإستبرق وأشباه ذلك؛ لأنها لم تأت على أوزان العرب.
فأهل العلم في هذه المسألة لهم قولان:
1. منهم من ينفي وجود الكلمات الأعجمية أصلاً.
2. ومنهم من يقول هي موجودة لكنها بالاستعمال صارت عربية، وهذا هو الصحيح.
أما الأحرف المقطعة في أوائل
السور فهي دالة على إعجاز القرآن، فالحجة فيها عظيمة فصيحة ألفاظُها؛ ودالة على
دليل عظيم من أدلة الإعجاز، {المر}، {حم}، {كهيعص} هذه الأحرف هي الأحرف التي بها
يتكلم العرب وينشئون بها الكلام الذي يفاخرون به، فأشعار العرب من هذه الأحرف،
وكلمات العرب وخطب العرب من هذه الأحرف، وما تفاخروا فيه من البيان والبلاغة
والخطاب والفصاحة إنما هو مكوَّن من هذه الأحرف، فالله جلّ وعلا في أول بعض السور
افتتحها بالأحرف المقطعة لينبه أنّ هذا القرآن كلماته وآياته من هذه الأحرف التي
بها تنشئون كلامكم البليغ الذي تتحدون به، فهيا استعملوا هذه الأحرف في إنشاء كلام
مثل هذا القرآن، ولهذا تجد أنَّ الأحرف المقطعة في افتتاح السور أغلبها والغالب
منها يكون بعد الأحرف المقطعة يكون ذكر الكتاب والقرآن، لا تجد سورة فيها ذكر
الأحرف المقطعة إلا فيها ذكر القرآن، والأغلب أن تكون بعد الحرف المقطعة مباشرة.
خُذ مثلا {الم(1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:1-2]، {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}[ق:1]، {حم(1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ}، (4) {يس(1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}[1-2]، {حم(1) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}[فصلت:1-2]، {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ}[هود:1]، {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ}[الرعد:1] كلما ذكرت الأحرف ذكر بعدها الكتاب، فإذن إيراد هذه الأحرف المقطعة في أوائل السور لتحدي العرب لتكوين كلام من هذه الأحرف التي يكونون منها كلامهم وينشئون بها خطبهم وأشعارهم وأن يعارضوا القرآن بمثل هذا الكلام.
خُذ مثلا {الم(1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:1-2]، {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}[ق:1]، {حم(1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ}، (4) {يس(1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}[1-2]، {حم(1) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}[فصلت:1-2]، {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ}[هود:1]، {المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ}[الرعد:1] كلما ذكرت الأحرف ذكر بعدها الكتاب، فإذن إيراد هذه الأحرف المقطعة في أوائل السور لتحدي العرب لتكوين كلام من هذه الأحرف التي يكونون منها كلامهم وينشئون بها خطبهم وأشعارهم وأن يعارضوا القرآن بمثل هذا الكلام.
س3/ ما رأيكم بمن يقول: إن الله ليس له
لغة، بدليل أنه يخاطب جميع البشر كلا حسب لغته؟
ج/ نقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللغة اصطلاحية، اللغة من آياته {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم:22]، البشر احتاجوا للغات ليتفاهموا فيما بينهم، الله جلَّ وعلا هو الذي خلق البشر وخلق لغات البشر، وجعل اختلاف الألسن دليلاً على عظم الباري جلَّ وعلا.
الله سبحانه أعظم من أن يقال فيه إنه يتكلم بكل اللغات، أو أنه ليس له لغة الله جلّ وعلا أعظم وأجلّ من ذلك أو نحو ذلك، وما قدروا الله حقَّ قدره سبحان ربي وتعالى، سبحان ربي وتعالى.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل مني ومنكم، وأن يزيدنا من العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
ج/ نقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللغة اصطلاحية، اللغة من آياته {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم:22]، البشر احتاجوا للغات ليتفاهموا فيما بينهم، الله جلَّ وعلا هو الذي خلق البشر وخلق لغات البشر، وجعل اختلاف الألسن دليلاً على عظم الباري جلَّ وعلا.
الله سبحانه أعظم من أن يقال فيه إنه يتكلم بكل اللغات، أو أنه ليس له لغة الله جلّ وعلا أعظم وأجلّ من ذلك أو نحو ذلك، وما قدروا الله حقَّ قدره سبحان ربي وتعالى، سبحان ربي وتعالى.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل مني ومنكم، وأن يزيدنا من العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.