تفسير سورة الإخلاص
قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)}
أولاً- سبب نزول هذه السورة:
عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه: ((أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، انسب لنا ربك، فأنزل الله: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ))[1].
عن جابر: أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: انسب لنا ربك. فأنزل الله، عز وجل: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " إلى آخرها[2].
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فنزلت هذه السورة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ})).
ثانيًا- فضل هذه السورة:
أ) أنها صفة الرحمن. وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي أن حبه لها سبب في محبة الله.
عن عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سَريَّة، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه: لأيّ شيء يصنع ذلك؟. فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه)).[3]
ب) إخبار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي أن حبه لها سبب في دخوله الجنّة.
عن أنس رضي الله عنه قال: ((كان رجل من الأنصار يَؤمَهم في مسجد قُبَاء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح ب {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}حتى يَفرُغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. فكلَّمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تُجزئُك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتَقرأ بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يَرَونَ أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يَؤمهم غيره. فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ . قال: إني أحبها. قال: حُبك إياها أدخلك الجنة))[4].
ب) أنها تعدل ثلث القرآن
عن أبي سعيد رضي الله عنه: ((أن رجلاً سمع رَجُلا يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالّها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن))[5]. وفي رواية: ((بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله ب{قل هو الله أحد}))[6].
عن أبي سعيد قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يُطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: "الله الواحد الصمد ثلث القرآن))[7].
عن عبد الله بن عمرو: ((أن أبا أيوب الأنصاري كان في مجلس وهو يقول: ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث القرآن كل ليلة؟ فقالوا: وهل يستطيع ذلك أحد؟ قال: فإن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثلث القرآن. قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسمع أبا أيوب، فقال: صدق أبو أيوب))[8].
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((احشُدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن. فحشد من حشد، ثم خرج نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم فقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن. إني أُرى هذا خبرٌ جاءه من السماء، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قلت لكم: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا! إنها تَعْدِلُ ثلث القرآن)).[9]
عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ {قل هو الله أحد * الله الصمد}في ليلة فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن))[10].
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيّ بن كعب أو رجل من الأنصار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ ب{قل هو الله أحد} فكأنما قرأ بثلث القرآن))[11].
عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الله أحد، الواحد الصمد، تعدل ثلث القرآن))[12].
عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال:{قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن))[13].
عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (({قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن))[14].
تنبيه! هذه السورة تعدل ثلث القرآن ولكن لا تقوم مقامه، بدليل أن الإنسان لو كررها في صلاة الفريضة ثلاث مرات لم تكفه عن الفاتحة، مع أنه إذا قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله، لكنها لا تجزئ عنه؛ فلا يلزم من معادلة الشيء للشيء أن يكون قائمًا مقامه في الإجزاء.
د) كون قراءتها توجب الجنّة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أقبلتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع رجلا يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) الله الصَّمَد} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَجَبَتْ. قلت: وما وَجَبت؟ قال: الجنة))[15].
ه) في تَكرار قراءتها
عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: ((خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ، نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ لَنَا، فَأَدْرَكْنَاهُ، فَقَالَ: قل، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: قُلْ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا: ثُمَّ قَالَ: قُلْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ))[16].
و) في الدعاء بما تضمنته من أسماء:
عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ))[17].
ز) في فضلها مع المعوذتين
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتدأته فأخذتُ بيده، فقلت: يا رسول الله، بم نجاة المؤمن؟ قال: يا عقبة، احْرُسْ لسانك وليسعك بيتُك، وابْكِ على خطيئتك. قال: ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتدأني فأخذ بيدي، فقال: يا عقبة بن عامر، ألا أعلمك خير ثلاث سُوَر أنزلت في التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن العظيم؟. قال: قلت: بلى، جعلني الله فداك. قال: فأقرأني: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ثم قال: يا عقبة، لا تَنْسَهُن ولا تُبتْ ليلة حتى تقرأهن. قال: فما نسيتهن منذ قال: لا تنسهن، وما بتُّ ليلة قط حتى أقرأهن. قال عقبة، ثم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال. فقال: يا عقبة، صِلْ من قطعك، وأعْطِ من حَرَمَك، وأعرض عمن ظلمك))[18].
ح) في الاستشفاء بها مع المعوذتين
عن عائشة رضي الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كُل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات))[19].
ثالثًا- مواطن قراءتها
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها:
1- في الركعة الثانية في سنّة الفجر، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}))[20].
2- وفي الركعة الثانية في سنّة المغرب. لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: ((مَا أُحْصِي مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بِ{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وَ{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}))[21].
1- في الركعة الثانية في ركعتي الطواف. لحديث جابر رضي الله عنه في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَكَانَ أَبِي يَقُولُ وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ))[22].
2- في الوتر. لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِ{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، وَ{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وَ{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فِي رَكْعَةٍ رَكْعَةٍ))[23].
ولذلك لأنها مبنية على الإخلاص التام لله، ولهذا تسمى سورة "الإخلاص".
رابعًا- معاني هذه السورة الكريمة
قال عكرمة: لما قالت اليهود: نحن نعبد عُزيرَ ابن الله، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان -أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
قوله: {قُلْ}
أي: قولاً جازمًا به، معتقدًا له، عارفًا بمعناه.
والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وللأمة أيضًا.
{هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
{هو} ضمير الشأن عند المعربين، {الله} خبر المبتدأ و{أحد} خبر ثانٍ.
أي: قد انحصرت فيه الأحدية، فهو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا شريك، ولا يُطلَق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله، عزّ وجلّ؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله.
قال البخاري: "{أحد} أي: واحد".
{اللَّهُ الصَّمَدُ} فسره السلف بعدة معانٍ:
الأول: قال عكرمة، عن ابن عباس: يعني الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم ومسائلهم.
الثاني: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار".
وقال الأعمش، عن شقيق عن أبي وائل: {الصَّمَدُ} السيد الذي قد انتهى سؤدده[24]، ورواه عاصم عن أبي وائل، عن ابن مسعود، مثله.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: {الصَّمَدُ} السيد.
قال البخاري: "والعرب تسمي أشرافَها الصَّمد".
الثالث: وقال الحسن، وقتادة: هو الباقي بعد خلقه. وقال الحسن أيضًا: {الصَّمَدُ} الحي القيوم الذي لا زوال له.
الرابع: وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد. كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} قال ابن كثير: "هو تفسير جيد". وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير، عن أبي بن كعب في ذلك، وهو صريح فيه[25].
الخامس: وقال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد الله بن بُريدة، وعكرمة أيضا، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي: {الصَّمَدُ} الذي لا جوف له.
قال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {الصَّمَدُ} المصمت الذي لا جوف له.
وقال عكرمة: {الصَّمَدُ} الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم.
وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب.
قال ابن جرير الطبري: وقال: حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن عمرو بن رومي، عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، حدثني صالح بن حيان، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال -لا أعلم إلا قد رفعه-قال: (({الصَّمَدُ} الذي لا جوف له))[26].
السادس: وقال عبد الله بن بُرَيدة أيضًا: {الصَّمَدُ} نور يتلألأ.
روى ذلك كلَّه وحكاه: ابن أبي حاتم، والبيهقي والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده.
وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له، بعد إيراده كثيرًا من هذه الأقوال في تفسير الصمد:
"وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربّنا، عزّ وجلّ، وهو الذي يُصمَد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه".
وهذا يعني أنه مستغنٍ عن جميع المخلوقات؛ لأنه كامل.
علاقة المعنى الأول بالثاني:
أنه تعالى المقصود في جميع الحوائج. فأهل العالم العلوي والسفلي مفتقرون إليه غاية الافتقار، يسألونه حوائجهم، ويرغبون إليه في مهماتهم، لأنه الكامل في أوصافه.
ومن كماله: {أنه لم يلد ولم يولد}.
قوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)}
أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة:
1. لكمال غناه؛ فإن الولد إنما يكون للحاجة إليه، إما في المعونة على مكابدة الدنيا، وإما في الحاجة إلى بقاء النسل، والله عزّ وجلّ مستغنٍ عن ذلك.
2. ولأنه جلّ وعلا لا مثيل له، والولد مشتق من والده وجزء منه، كما قال صلى الله عله وسلم في فاطمة: ((إنها بضعة مني))[27].
3. ولأن الولد يحتاج إلى صاحبة تلده، وقد أشار الله عزّ وجلّ إلى امتناع ذلك في قوله تعالى: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الأنعام:101).
4. ولأنه خالق كل شيء، فإذا كان خالق كل شيء فكل شيء منفصل عنه بائن منه.
5. ولأنه عزّ وجلّ هو الأول الذي ليس قبله شيء، فكيف يكون مولودًا؟!
قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}
قال مجاهد: يعني: لا صاحبة له.
فلم يكن له كفوًا أحد لا في أسمائه، ولا في أوصافه، ولا في أفعاله، تبارك وتعالى.
وهذا كما قال تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [ الأنعام : 101 ] أي: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه، أو قريب يدانيه، تعالى وتقدس وتنزه.
قال الله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [ مريم : 88 -95 ].
وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [ الأنبياء : 26 ، 27 ].
وقال تعالى: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [ الصافات : 158 ، 159 ].
وفي الصحيح: ((ما أحدٌ أصبرَ على أذى سمعه من الله، يدّعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم))[28].
وعن أبي هُرَيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إياي فقوله: لن يُعيدَني كما بدأني، وليس أولُ الخلق بأهونَ عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصّمدُ، لم أَلِدْ ولم أُولد، ولم يكن لي كُفُوًا أحد))[29].
قال البخاري: "كُفُوًا وكفيئًا وكِفاءً واحد".
خامسًا- من فوائد السورة:
1- هذه السورة مشتملة على توحيد الأسماء والصفات.
2- في السورة ردّ على ثلاث طوائف منحرفة من بني آدم، وهم: المشركون، واليهود، والنصارى، لأن المشركين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، وقالوا: إن الملائكة بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله. فكذّبهم الله بقوله: {لم يلد ولم يولد}.
المرجع: جمع وترتيب من:
"تفسير القرآن العظيم" للحافاظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي رحمه الله
"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" للشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله
"تفسير القرآن الكريم" لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
صحيح البخاري رحمه الله
صحيح مسلم رحمه الله
سنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن ابن ماجه رحمهم الله
[1]رواه الترمذي (كتاب التفسير/ باب ومن سورة الإخلاص/ 3364) وقال الألباني: "حسن، دون قوله: ((والصمند الذي ...)))". رواه الإمام أحمد في "المسند" (20714)
[2] رواه أبو يعلى في مسنده (2044) قال ابن كثير: إسناده مقارب.
[3] "صحيح البخاري" (كتاب التوحيد/ باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله / 7375).
[4] رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به (كتاب الأذان/ باب الجمع بين السورتين في ركعة/ 774)
[5] "صحيح البخاري (كتاب التوحيد / باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله/ 7374).
[6] رواه الإمام أحمد في "المسند" (10731).
[7] "صحيح البخاري" (كتاب فضائل القرآن/ باب فضل {قل هو الله أحد}/ 5015)
[8] رواه الإمام أحمد (6576)، وله شاهد عند أحمد (23042) والترمذي: عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن من قرأ الله الواحد الصمد فقد قرأ ثلث لقرآن)). قال الألباني: صحيح لغيره، "صحيح الترغيب والترهيب". (1481).
[9]رواه مسلم (كتاب صلاة المسافرين/ باب فضل قراءة {قل هو الله أحد/ 812) ورواه الترمذي.
[10] رواه الترمذي (كتاب ثواب القرآن/ باب ما جاء في سورة الإخلاص/ 2896) وصححه الألباني.
[11] رواه أحمد والنسائي في اليوم والليلة.
[12] رواه ابن ماجه (كتاب الأدب/ باب ثواب القرآن/3789) وصححه الألباني.
[13] رواه مسلم (كتاب صلاة المسافرين/ باب فضل قراءة {قل هو الله أحد}/ 811).
[14] رواه أحمد، قال ابن كثير: "ورواه النسائي أيضًا في اليوم والليلة من حديث محمد بن إسحاق عن الحارث بن الفضيل الأنصاري عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن نفرًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حدثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (({قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن لمن صلى بها))".
[15] رواه الترمذي (كتاب ثواب القرآن/ باب ما جاء في سورة الإخلاص/ 2897) وصححه الألباني.
[16] رواه أبو داود (كتاب الأدب/ باب ما يقول إذا أصبح/ 5082) وحسنه الألباني.
[17] رواه أبو داود (كتاب الصلاة/ باب الدعاء: 1493) وصححه الألباني.
[18] رواه أحمد، وصححه الألباني. "الصحيحة" (890) (891) (2861).
[19] رواه البخاري (كتاب فضائل القرآن/ باب فضل المعوذات/ 5018).
[20] "صحيح مسلم (كتاب صلاة المسافرين/ باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما، وتخيفهما والمحافظة عليهما، وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما/ 726)
[21] رواه الترمذي (كتاب الصلاة/ باب ما جاء في الركعتين بعد المغرب والقراءة فيهما/ 431) وقال الألباني: حسن صحيح.
[22] "صحيح مسلم" (كتاب الحج/ باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم/ 1218).
[23] رواه الترمذي (أبواب الوتر/ باب ما جاء ما يُقرأ في الوتر/ 462) وصححه الألباني.
[24] وعلقه البخاري أيضًا عن أبي وائل (كتاب التفسير/ باب قوله {الله الصمد}).
[25] حديث أبيّ بن كعب سبق تخريجه، وفيه زيادة: (({الصمد} الذي لم يلد ولم يولد...)) وهذه الزيادة ضعفها الألباني رحمه الله.
[26] قال ابن كثير: وهذا غريب جدًا، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة.
[27] "صحيح البخاري" (كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم/ باب مناقب قرابة رسول الله ومنقبة فاطمة/ 3714).
[28] رواه البخاري (كتاب التوحيد/ باب قول الله تعالى: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}/ 7378).
[29] "صحيح البخاري" (كتاب التفسير/ باب 1/ 4974).