الأحد، 27 نوفمبر 2011

شرح حديث في جامع الدعوات


الحديث:
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ)). رواه الترمذي (كتاب الدعوات/ باب ما جاء في جامع الدعوات عن النبي صلى الله عليه وسلم/ 3482) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني.
الشرح:
قَوْلُهُ : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ)) أَيْ: لَا يَسْكُنُ وَلَا يَطْمَئِنُّ بِذِكْرِ اللَّهِ.
((وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ)) أَيْ: لَا يُسْتَجَابُ
((وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ)) أَيْ:
أ‌)       بِمَا آتَاهَا اللَّهُ، وَلَا تَقْنَعُ بِمَا رَزَقَهَا، وَلَا تَفْتُرُ عَنْ جَمْعِ الْمَالِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ شِدَّةِ الْحِرْصِ.
ب‌)  أَوْ مِنْ نَفْسٍ تَأْكُلُ كَثِيرًا.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ حَرِيصَةٍ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ وَتَحْصِيلِ الْمَنَاصِبِ
((وَمِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ)) أَيْ:
أ‌)       عِلْمٍ لَا أَعْمَلُ بِهِ، وَلَا أُعَلِّمُ النَّاسَ، وَلَا يُهَذِّبُ الْأَخْلَاقَ وَالْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ.
ب‌)  أَوْ عِلْمٍ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.
ج‌)    أَوْ لَمْ يَرِدْ فِي تَعَلُّمِهِ إِذْنٌ شَرْعِيٌّ .
ما العلاقة بين هذه الأربع المستعاذ منها؟
قَالَ الطِّيبِيُّ: "اِعْلَمْ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْقَرَائِنِ الْأَرْبَعِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ وُجُودَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى غَايَتِهِ، وَأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ تِلْكَ الْغَايَةُ، وَذَلِكَ:
1.    أَنَّ تَحْصِيلَ الْعُلُومِ إِنَّمَا هُوَ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا، فَإِذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ لَمْ يَخْلُصْ مِنْهُ كَفَافًا، بَلْ يَكُونُ وَبَالًا، وَلِذَلِكَ اِسْتَعَاذَ.
2.    وَأَنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا خُلِقَ لِأَنْ يَتَخَشَّعَ لِبَارِئِهِ، وَيَنْشَرِحَ لِذَلِكَ الصَّدْرُ، وَيُقْذَفُ النُّورُ فِيهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ قَاسِيًا؛ فَيَجِبُ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ}.
3.    وَأَنَّ النَّفْسَ يُعْتَدُّ بِهَا إِذَا تَجَافَتْ عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَأَنَابَتْ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَهِيَ إِذَا كَانَتْ مَنْهُومَةً لَا تَشْبَعُ حَرِيصَةً عَلَى الدُّنْيَا؛ كَانَتْ أَعْدَى عَدُوِّ الْمَرْءِ؛ فَأَوْلَى الشَّيْءُ الَّذِي يُسْتَعَاذُ مِنْهُ هِيَ، أَيْ: النَّفْسُ.
4.    وَعَدَمُ اِسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ، وَلَمْ يَخْشَعْ قَلْبُهُ، وَلَمْ تَشْبَعْ نَفْسُهُ، اِنْتَهَى[1].

قلت:
وهناك علاقة أخرى بين جمل الحديث، وهي أنّ من علامات العلم النافع خشوع القلب، كما قال تعالى في وصف الذين أوتوا العلم: {قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}[2]، ومن علاماته أيضًا عدم الحرص على الدنيا وجمع المال وتحصيل المناصب، فليس حالهم كحال مريدي الحياة الدنيا، قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ}[3] .
والظنّ بالله الكريم سبحانه أنّ من كان من أهل العلم النافع، والقلب الخاشع، والنفس الزاهدة في الدنيا أن يسمع الله دعاءه إذا دعاه.






[1] "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي" لصفي الدين المباركفوري. (باختصار).
[2] (الإسراء: 107- 109).
[3] (القصص: 79- 80).