قوله
تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً
مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة:128).
ذكر الشيخ
ابن عثيمين رحمه الله في تفسيره من فوائد الآية:
1ــــ شدة افتقار الإنسان
إلى ربه، حيث كرر كلمة: {رَبَّنَا}؛ وأنه بحاجة إلى ربوبية الله الخاصة
التي تقتضي عناية خاصة.
2ــــ أن الإنسان مفتقر
إلى تثبيت الله؛ وإلا هلك؛ لقوله تعالى:
{وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ}؛ فإنهما مسلمان
بلا شك: فهما نبيَّان؛ ولكن لا يدوم هذا الإسلام إلا بتوفيق الله؛ قال الله سبحانه
وتعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ
تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ
وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} [الإسراء: 74،
75] .
3ــــ
أهمية الإخلاص؛ لقوله تعالى: {مُسْلِمَيْنِ
لَكَ} {لَكَ} تدل على إخلاص
الإسلام لله عزّ وجلّ، كما قال تعالى في آية أخرى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [البقرة: 112] .
4ــــ
أن الإسلام يشمل كل استسلام لله سبحانه وتعالى، ظاهرًا وباطنًا.
5ــــ
أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء؛ لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان
الصالحة؛ لقوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا
أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}؛ وقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام في آية أخرى:
{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} (إبراهيم:35)؛ فالذرية صلاحها
لها شأن كبير بالنسبة للإنسان.
6ــــ
أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: {وَأَرِنَا
مَنَاسِكَنَا} يعني: أعلمنا بها.
7ــــ
أن الأصل في العبادات أنها توقيفية، يعني: الإنسان لا يتعبد لله بشيء إلا بما
شرع؛ لقوله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}.
8ــــ
تحريم التعبد لله بما لم يشرعه؛ لأنهما دعَوَا الله عزّ وجلّ أن يريهما مناسكهما؛
{وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}، فلولا أن العبادة
تتوقف على ذلك لتَعبدا بدون هذا السؤال.
9ــــ افتقار كلِّ إنسان
إلى توبة الله؛ لقوله تعالى: {وَتُبْ عَلَيْنَا}؛ إذ لا يخلو الإنسان من تقصير.
10ــــ إثبات (التواب)،
و(الرحيم) اسمين من أسماء الله سبحانه وتعالى، وما تضمناه من صفة.
11ــــ مشروعية التوسل
إلى الله عزّ وجلّ بأسمائه، وصفاته؛ لأن قوله تعالى:
{إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
تعليل للطلب السابق؛ فهو وسيلة يتوصل بها الداعي إلى حصول مطلوبه.
12ــــ أن التوسل بأسماء
الله يكون باسم مطابق لما دعا به؛ لقوله تعالى:
{وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ}، ولقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ
بِهَا} (الأعراف:180).
تنبيه:
إن قال
قائل: كيف يستقيم أن يسأل إبراهيم، وإسماعيل ربهما أن يجعلهما مسلمين له مع أنهما كانا
كذلك؟
فالجواب:
أن المراد بذلك:
1.
تثبيتهما
على الإسلام؛ لأن الإنسان من حيث هو إنسان لا
يأمن العاقبة.
2.
أو
يقال: إن المراد تقوية إسلامهما بالإخلاص لله عزّ وجلّ، والانقياد لطاعته.
3.
أو
يقال: إنهما قالا ذلك توطئة لما بعدها في قولهما: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}.
والأول أقوى الاحتمالات.
المرجع:
"تفسير القرآن الكريم"
لابن عثيمين رحمه الله. سورة البقرة ج2 ص62-65 بتصرف يسير.