بسم الله الرحمن
الرحيم
الموقف الشرعي
من الفيلم المسيء
الحمد لله وحده، أنجز وعده، ونصره
عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، وصلى الله وسلم على مَن لا نبي بعده، وعلى
آله وصحبه ومَن اقتفى أثرَه.. أما بعد
فإن الله عزّ وجلّ أخبر بأنه
يبتلي العباد بعضهم ببعض؛ ليتبينَ بذلك أحوالُ العباد، الصادق من الكاذب، وليؤمنَ مَن
آمن إيمانًا صحيحًا عن بصيرة، لا إيمانًا مبنيًا على متابعة أهل الغلبة، فإنه إيمان
ضعيف جدًا، لا يكاد يستمر لصاحبه عند المحن والبلايا، مع أنه تعالى قادر على أن
ينتصر من الكفار في موضع واحد، قال تعالى: {وَلَوْ
يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}
(محمد: 4).
ومن ذلك أنّ الله تعالى يبتلي أهل
الإيمان بأذية أهل الكفر، فلم يزل دأبُ أهل الكفر والنفاق الاستهزاءَ بأهل الإيمان
عمومًا، بل وصل بهم الحدّ إلى الاستهزاء برسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، الذين
هم سادة الخلق وأكرمهم عند الله، كما استهزأ المشركون الأولون بسيد الأنبياء وخاتمهم،
قال تعالى: {وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ
يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ
الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي
فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} (الأنبياء: 36-37)، يقول العلامة ابن سعدي رحمه الله: " وهذا
من شدة كفرهم، فإن المشركين إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، استهزأوا به وقالوا:
{أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} أي: هذا
المحتقر -بزعمهم- الذي يسب آلهتكم ويذمها، ويقع فيها، أي: فلا تبالوا به، ولا تحتفلوا
به، هذا استهزاؤهم واحتقارهم له، بما هو من كماله، فإنه الأكمل الأفضل الذي من فضائله
ومكارمه، إخلاص العبادة لله، وذمُّ كلِّ ما يعبد من دونه وتنقصه، وذكر محله ومكانته،
ولكن محل الازدراء والاستهزاء هؤلاء الكفار، الذين جمعوا كل خلق ذميم، ولو لم يكن إلا
كفرهم بالربّ وجحدهم لرسله؛ فصاروا بذلك من أخس الخلق وأرذلهم"،
وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ
إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ
آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ
مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا * أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ
عَلَيْهِ وَكِيلا} (الفرقان: 41-44)، قال
العلامة السّعدي رحمه الله: "أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المكذبون لك المعاندون
لآيات الله المستكبرون في الأرض استهزءوا بك واحتقروك وقالوا -على وجه الاحتقار والاستصغار-
{أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً} أي:
غير مناسب ولا لائق أن يبعث الله هذا الرجل، وهذا من شدة ظلمهم وعنادهم وقلبهم الحقائق؛
فإن كلامهم هذا يفهم أن الرسول -حاشاه- في غاية الخسة والحقارة وأنه لو كانت الرسالة
لغيره لكان أنسب، {وَقَالُوا لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ
عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} فهذا الكلام لا يصدر إلا من أجهل
الناس وأضلهم، أو من أعظمهم عنادًا وهو متجاهل، قصده ترويج ما معه من الباطل بالقدح
بالحق وبمن جاء به، وإلا فمن تدبر أحوال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وجده
رجل العالم وهمامهم ومقدمهم في العقل والعلم واللب والرزانة، ومكارم الأخلاق ومحاسن
الشيم والعفة والشجاعة والكرم وكل خلق فاضل، وأن المحتقر له والشانئ له قد جمع من السفه
والجهل والضلال والتناقض والظلم والعدوان ما لا يجمعه غيره، وحسبه جهلاً وضلالاً أن
يقدح بهذا الرسول العظيم والهمام الكريم، والقصد من قدحهم فيه واستهزائهم به تصلبهم
على باطلهم، وغرورًا لضعفاء العقول، ولهذا قالوا: {إِنْ كَادَ}
هذا الرجل {لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا} بأن
يجعل الآلهة إلهًا واحدًا {لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا}
لأضلنا، زعموا -قبحهم الله- أن الضلال هو التوحيد وأن الهدى ما هم عليه من الشرك فلهذا
تواصوا بالصبر عليه {وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ
امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ}".
ولا يُتعجب صدور هذا
الاستهزاء ممن أشرك بالله وجعل معه إلهًا آخر، فمن أعظم أوصاف هؤلاء الذين
يستهزؤون برسول الله، أنهم كما يؤذون رسول الله، فإنهم أيضًا يؤذون الله ويجعلون معه
إلهًا آخر وهو ربهم وخالقهم ومدبرهم، قال تعالى: {إِنَّا
كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96)} (الحجر: 95-96) أي: فسوف يعلمون غبَّ أفعالهم
إذا وردوا القيامة.
فهذا حال المشركين، انظر كيف
يظلمون أنفسهم، ويقلبون الحقائق، ويسعون في إضلال غيرهم بغيًا وعدوانًا! وما يصدر
عن المشركين في هذا العصر من الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو إلا
موروث ورثوه من أسلافهم المشركين، ومن اليهود والمنافقين، ((فكان الملأ من قريش يمرون على رسول
الله، وعنده صهيب، وبلال، وعمار، وخباب ونحوهم، من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد
اطردهم، أرضيت هؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعًا لهؤلاء؟ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟
فلعلك إن طردتهم أن نأتيك: فنزلت: {وَلَا
تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ
فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ})) رواه الطبراني، وصححه
الألباني في "الصحيحة" (3297 )، كذلك كانت عادة اليهود الاستهزاء
بالرسل، بل وقتلهم قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا
مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا
مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا
قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا
فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا
بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ
النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}
(البقرة: 61)، وقال تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ
رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا
تَقْتُلُونَ} (البقرة: 87)، بل تطاولوا على ذات الله عزّ وجلّ، قال
تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا
إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ
بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ
أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (آل
عمران، 181-182)، فجازاهم الله بالذلة والمسكنة وإحلال الغضب بهم؛ بسبب استكبارهم عن
اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم، فانتقصوهم
إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، وهذا بسبب الكبر الذي تأصّل في نفوسهم، فلا كبْر
أعظم من هذا، أنهم كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياء الله بغير الحق، ولهذا جاء في الحديث
الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الكبر بَطَر الحق، وغَمْط الناس)) رواه مسلم
(91).
وأيضًا يقع الاستهزاء من المنافقين،
قال تعالى في سورة التوبة التي فضحت أحوال المنافقين وصفاتهم: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ
أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ} (التوبة: 61)، وعن عبد الله بن عمر
رضي الله عنهما قال: ((قال رجل
في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنة،
ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبتَ ولكنك منافق، لأخبرنّ رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن قال عبد الله: فأنا
رأيته متعلقًا بحَقَب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تَنكُبه الحجارة، وهو يقول:
يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أبالله وآياته
ورسوله كنتم تستهزئون)) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وقال الشيخ
الوادعي رحمه الله في "الصحيح المسند من أسباب النزول" ص78: "رجاله
رجال الصحيح إلا هشام بن سعد، وله شاهد بسند حسن عند ابن أبي حاتم من حديث كعب بن
مالك".
فعُلم من ذلك أن
الاستهزاء بالرسل لا يقع إلا من مشرك كافر، أو منافق، الذين بدّلوا نعمة الله
كفرًا، ووصفهم الله بأنهم شرّ البرية، فهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ويكيدون
للإسلام والمسلمين، يسعون فيهم مكر الليل والنهار، مكرًا يكاد أن تزول منه الجبال كما وصفه ربنا جلّ
وعلا، وهؤلاء لا يضرون إلا أنفسهم؛ وهؤلاء في حقيقة أمرهم كالذي ينفخ على الشمس ليطفئها،
فثق بالله أيها المسلم الموحّد، الموقّر لنبيك صلى الله عليه وسلم، ثق أيها
الممتلئ غيظًا مما صنعه أولئك الشرذمة من الكفار، الذين قصدوا التهكم بأفضل الخلق،
وسيد ولد آدم أجمعين، ثق أنهم لن يصلوا بذلك إلا لضدّ ما قصدوه، قال تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ
الْمَاكِرِينَ} (الأنفال: 30)، فكلُّ من أراد الكيد برسول الله صلى
الله عليه وسلم ردّ الله كيده في نحره، فانقلب خاسرًا غير رابح، مخذولاً غير مؤيدٍ
ولا منصور، قال تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}
(الحجر: 95) قال العلامة السّعدي رحمه الله:
"هذا وعد من الله لرسوله، أن لا يضره المستهزئون، وأن يكفيه الله إياهم بما شاء
من أنواع العقوبة، وقد فعل تعالى فإنه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله
عليه وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة".
كان من أشد
المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وسلم أبو لهب، روى البخاري (4770) بسنده عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: ((لما
نزلت {وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: يا بني
فهر! يا بني عدي! لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يَخرج أرسل
رسولاً؛ لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي
تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإني
نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟))
إن هذا الاستهزاء بشخص النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن صيحة في واد، لم تكن عبارة
انتهت بمضي الوقت وانتهاء الزمان والمكان، بل توعده الله عزّ وجلّ بشر وعيد، وأنزل
فيه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا
أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ
حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)} قال ابن كثير رحمه الله: " قال
العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى:
{سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ* وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ
الْحَطَبِ* فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان،
لم يقيض لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما لا ظاهرًا ولا باطنًا، لا مُسرًا ولا مُعلنًا،
فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة".
ومن المستهزئين
بالنبي صلى الله عليه وسلم أبو جهل، الذي ما فتئ في أندية مكة، يستصغر شأن النبي
صلى الله عليه وسلم، يحتقره، يستهزئ به، ومن ذلك ما أخرجه مسلم (2797) عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: ((قَالَ
أَبُو جَهْلٍ هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ قَالَ: فَقِيلَ:
نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللاَّتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأَنَّ
عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِى التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّى زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ،قَالَ:
فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلاَّ وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِى بِيَدَيْهِ،
قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِى وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ
نَارٍ، وَهَوْلاً، وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَوْ
دَنَا مِنِّى لاَخْتَطَفَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا))، فماذا
صنع الله عزّ وجلّ بهذا الكافر؟ أذله وقهره يوم بدر الكبرى، حيث قتله غلامان
صغيران من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى ذلك البخاري (3988) بسنده عن
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه
قال: ((إني لفي الصفّ يوم بدر،
إذ التفتُّ، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السنّ، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ
قال لي أحدهما سرًّا من صاحبه: يا عم! أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي! وما تصنع به؟
قال: عاهدتُ الله إن رأيته أن أقتله، أو أموت دونه، فقال لي الآخر سرًّا من صاحبه مثله،
قال: فما سرّني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدّا عليه مثل الصقرين، حتى
ضرباه، وهما ابنا عفراء)).
ومن المستهزئين برسول
الله صلى الله عليه وسلم، عقبة بن أبي معيط آذى مؤذٍ يمرّ علينا في سيرة النبي صلى
الله عليه وسلم، روى البخاري (3185) ومسلم (1794) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم سَاجِدٌ، وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِى
مُعَيْطٍ بِسَلاَ جَزُورٍ، فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ))
فماذا صنع الله بهذا الكافر؟ دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع رأسه،
فقال: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ
الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَعُقْبَةَ
بْنَ أَبِى مُعَيْطٍ وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ أَوْ أُبَىَّ
بْنَ خَلَفٍ)) قال ابن مسعود: ((فوالله! لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب
بدر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأتبع أصحاب القليب لعنة)) رواه
البخاري (520).
المستهزؤون برسول الله صلى الله
عليه وسلم لا تذهب أفعالهم هباءً منثورًا، لو لم يوجد في الدنيا من ينتقم له ويأخذ
بثأره، فإنّ الله عزّ وجلّ قد تولى ذلك.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((قدم كعب بن الأشرف مكة، فقالت له قريش:
أنت سيدهم، ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج
وأهل السدانة وأهل السقاية، فقال: أنتم خير منه، قال: فنزلت: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ})) قال الشيخ
مقبل الوادعي في "الصحيح المسند من أسباب النزول" ص175: "رواه البزار
وهو إسناد صحيح". قال ابن سعدي رحمه الله:
"أي: مبغضك وذامك ومنتقصك هو المقطوع من كل خير، مقطوع العمل، مقطوع الذكر،
وأما محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الكامل حقًا، الذي له الكمال الممكن في حق المخلوق،
من رفع الذكر، وكثرة الأنصار، والأتباع صلى الله عليه وسلم".
وروى البخاري (3533) عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟! قالوا:
كيف يا رسول الله؟ قال: يشتمون مذممًا، وأنا محمد، ويلعنون مذممًا، وأنا محمد)).
إذن لا تقلقوا أيها
المسلمون، ولا تحزنوا؛ فإن الله جلّ وعلا تولى حماية نبيه، قال تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} (التحريم: 4)، تولى الله كفايته، كما قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}
(الزمر: 36)، وقال تعالى: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}
(الطور: 48)، والله تعالى لا يخلف وعده، وسيحل عقوبته
بالمستهزئين؛ فلا نستعجل عقوبتهم، لذلك قال الله بعد أن ذكر استهزاء المشركين
بنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ
عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ
آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} (الأنبياء:
37) قال ابن سعدي رحمه الله: "أي: خلق
عجولاً يبادر الأشياء، ويستعجل بوقوعها، فالمؤمنون، يستعجلون عقوبة الله للكافرين،
ويتباطئونها، والكافرون يتولون ويستعجلون بالعذاب، تكذيبًا وعنادًا، ويقولون: {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} والله
تعالى، يمهل ولا يهمل ويحلم، ويجعل لهم أجلاً مؤقتًا {إِذَا
جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} ولهذا قال:
{سَأُرِيكُمْ آيَاتِي} أي: في انتقامي ممن كفر
بي وعصاني {فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} ذلك".
نعم
المسلم الحق يغار ويتأذى مما يسمع ويقال، وهذه علامة خيرٍ أنَّكَ تأثَّرتَ مما
يُقال في حقِّ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا يدلُّ على الإيمان والحمد
لله، ولكنّ علينا ألا نحكّم العواطف في ردود أفعالنا، بل الواجب تحكيم الشرع، لذلك
فقد (استنكر مفتي عام السعودية، الشيخ
عبد العزيز بن عبدالله آل الشيخ ما تناقلته وسائل الإعلام، من حدوث عدد من الهجمات، التي
استهدفت عددًا من الدبلوماسيين والسفارات في دول مختلفة، عقب احتجاجات دامية ضد
الفيلم المسيء الذي أنتجته الولايات المتحدة، وامتدت أعمال العنف إلى مصر ولبنان وتونس
والسودان واليمن وغيرها، كما نقلت وكالة الأنباء
السعودية الرسمية عن بيان للشيخ عبد العزيز رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية
والإفتاء القول: إنه يَحرم على المسلمين "أن يأخذوا البريء بجريرة المجرم الآثم،
ويعتدوا على معصوم الدم والمال، أو يتعرضوا للمنشآت العامة بالحرق والهدم، فإن هذه
الأفعال هي أيضًا تشوه وتسيء إلى الدين الإسلاميّ، ولا يرضاها الله عزّ وجلّ، وليست
من سنّة النبي صلى الله عليه وسلم في شيء").
(الرياض- رويترز- السبت 28/10/1433ه).
(وأكد مفتي عام المملكة العربية السعودية رئيس هيئة كبار
العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، أن المحاولة
الإجرامية البائسة بنشر الفيلم المسيء للنبي صلى الله عليه وسلم: «لن تضرَّ الجناب
النبوي الكريم بشيء، ولا الدين الإسلامي». وشدد المفتي في بيان أصدره، أمس، على أن
«استنكار المسلمين لهذه المحاولة الإجرامية يجب أن يكون وفق ما شرعه الله في كتابه
وسنّة رسوله، فلا يجرهم الحنق والغضب إلى أن يتجاوزوا المشروع إلى الممنوع، فيكونوا
بذلك قد حققوا بعض أهداف هذا الفيلم المسيء من حيث لا يشعرون".
ودعا مفتي السعودية دول العالم والمنظمات الدولية إلى
"تجريم الإساءة للأنبياء والرسل" منددًا بما وصفها بـ"المحاولة الإجرامية
البائسة بنشر الفيلم المسيء للنبي). (عواصم-
البيان- السبت 28/10/1433ه).
(وكان مما قاله: "هذا الفيلم السيء الذي أثار حماس الأمة الإسلامية،
حقيقة فيلم سيّئٌ وخبيث وحقير لا قيمة له، ولكن أوتي به في وقت ما لمصلحة ما، كما يُرى، ولكن الحمد لله المسلمون موقفهم منه
استنكروه ورفضوه وشجبوه" إلى أن قال: "وعلينا أن نتخذ الموقف الإسلامي
الصحيح، بشجب هذا الفيلم، والتنديد به دائمًا وأبدًا، واعتقاد أنّ من أعده ووافق
عليه أنه مسيء، ظالم، وعاصٍ لله، مرتكب ذنب عظيم، ووزر كبير".
وأضاف: "لكني أوصي إخواني بالتؤدة
والسكينة، ولأن يكون إنكاره في حدود المعقول، أما سفك الدماء وتدمير الممتلكات ليس
هذا غيرة، الغيرة لله أن نعتقد في قلوبنا كراهية هذا الأمر، ونعلن كراهيته وشجبه،
لهذا المملكة العربية السعودية أصدرت بيانًا بشجب هذا الأمر وأنها بريئة
منه، وأن السلفية الصالحة لاعلاقة لها به وتتبرأ منه، لأن هذا جرم لا يرضى به مسلم
على وجه الأرض، وكذلك رابطة العالم الإسلامي جميعنا نشجب هذا الفيلم، ونعتقد خطأه
وضلاله".
مشددًا على ثقة المسلمين بدينهم ونبيهم وقال: "نرجو
من الله أن يكون الأخوان على ثقة بدينهم ونبيهم، وأن محبة نبيهم إنما باتباع سنته
وشريعته، والردّ على من افترى عليه، ولكن أحذّرهم من أن تكون وسيلة لسفك الدماء،
ووسيلة يستغلهم الحاقدون ليضربوا بعضهم البعض، ويحيوا الطائفية والعنصرية، من أجل
ضرب الأمة وتفريق شملها والحط من قيمتها، ونسأل الله أن يجنب بلاد المسلمين كل سوء")ـ
(سبق- الرياض- الأحد 29/10/1433هـ).
فعُلم من ذلك أنّ حسن النية
والغيرة لا تبرر سوء الفعل، وإنّ من البرّ ما يكون عقوقًا، وكم مريد للخير لن يصيبَه،
فلا يحملك أيها المسلم غيرتك على عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تخالف سنته،
وترتكب ما حرمه الله ورسوله، أيكون الثأر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا
يرضاه رسول الله؟! بل اجعل هذه الغيرة نصرة حقيقية لسنّة النبي صلى الله عليه
وسلم، وتعزيره وتوقيره في نفسك أولاً، ثم في من حولك، اجعل من هذه المحنة سببًا
لزيادة تمسكك بكتاب ربّك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وكم منحة وُلدت من رحم
محنة!
واعلم أنّ من فضل الله علينا أن
جعل لنا نجومًا نهتدي بها، هم علماؤنا وأهل النهى منّا، فلنصدر عن قولهم، ولا
نتقدم بين أيديهم، ولنردّ الأمر إليهم، كما وجّه بذلك
سماحة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله، حينما سئل في درس
"المنتقى من أخبار سيد المرسلين" في (يوم السبت 28/10/1433هـ): ما توجيه
فضيلتكم لطلبة العلم، ولغيرهم حول ما حدَث مُؤخرًا بشأنِ الفيلم المُسِيء للنبيِّ صلَّى
الله عليه وسلَّم، قال: "توجِيهُنا
حِيالَ ذلك: الهدوء، وعدم الإنكار بهذه الطريقة: مظاهرات! أو اعتداء على الأبرياء!
أو إتلاف أموال! هذا لا يجوز. وكان الذي يجب أنَّ الذي تولَّى الردَّ عليهم
هم العلماء، ما هم العوام! العلماء يردُّون على هذه الأمور، والتزام الهدوء، هم يريدون
التَّشويش علينا، ويريدون إثارتنا، هذا الذي هم يريدوه. ويريدون أن نتقاتل بيننا، الجنود يمنعون، وهؤلاء
يهاجمون، وحصل ضرب، وحصل قتل، وحصل تجريح، وحصل، هم يريدون هذا. الهدوء، الهدوء،
ويتولَّى الردَّ عليهم أهل العلم والبصيرة، أو لا يُردُّ عليهم، ولا يَسوون من يَردُّ
عليهم، كان المشركون يقولون للرسول: ساحر، كاهن، كذَّاب، إلى آخره، والله يأمره بالصَّبر،
يأمر رسوله بالصَّبر، ولم يتظاهروا في مكة، ولم يهدموا شيئًا من بيوت المشركين، ولم
يقتلوا أحدًا، الصبر والهدوء؛ حتى يُيسِّرَ الله سبحانه وتعالى للمسلمين فرجًا. الواجب هو الهدوء
خصوصًا في هذه الأيام، وهذه الفتن، وهذه الشُّرور -الآن- القائمة في بلاد المسلمين،
فيجب
الهدوء وعدم التَّسرُّع في هذه الأمور، والعوام ما يَصلُحُون للمواجهة في هذا، جُهَّال
ما يدرون! ما يُواجِه هذا إلا أهل العلم والبَصِيرة.نعم". اهـ
وأيضًا مما ينبغي علينا أن نتحلى
به في هذه المحنة، أن نوقن بأن الله عزّ وجلّ يمهل للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز
مقتدر، قال تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُون} (الأنفال: 59)، يقول العلامة السعدي رحمه الله: "أي: لا يحسب الكافرون
بربهم المكذبون بآياته أنهم سبقوا اللّه وفاتوه، فإنهم لا يعجزونه، واللّه لهم بالمرصاد".
وأيضًا مما يعين على
هذه المحنة الإكثار من ذكر الله، فإن كنا نتأذى بما نسمعه من التكذيب والاستهزاء
بنبينا صلوات الله وسلامه عليه؛ فلنسترشد بما أمر الله به نبيه صلى الله عليه
وسلم، حين ضاق صدره بما يقول المشركون من التكذيب والاستهزاء، أمره سبحانه
بالإكثار من ذكر الله وتسبيحه وتحميده والصلاة؛ فإن ذلك يوسع الصدر ويشرحه، ويعين
العبد على أموره، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ
يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}
(الحجر: 97-98).
وكذلك يجب علينا أن نحسن الظنّ
بالله، ونستبشر بنصر الله، فإن العاقبة للمتقين، نقل
شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه
"الصارم المسلول على شاتم الرسول" عن أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه
و الخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون و المدائن التي بالسواحل الشامية، لما
حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: "كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة
الشهر أو أكثر من الشهر، وهو ممتنع علينا، حتى نكاد نيأس، إذ تعرّض أهلُه لسبّ رسول الله
صلى الله عليه وسلم، والوقيعة في عرضه، فعُجّلنا فتحه، وتيسر، ولم يكد يتأخر إلا يومًا
أو يومين، أو نحو ذلك، ثم يُفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن
كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظًا بما قالوه
فيه" اهـ، فالحمد لله بلاد أوروبا وأمريكا اليوم، ينتشر الإسلام فيها انتشارًا
عظيمًا، والناس إقبالهم على الإسلام كبير، وليس ذلك لشيء إلا بأن الإسلام هو الحياة،
فالإسلام بالنسبة إلى سائر الأديان كالحي والميت.
يجب علينا كذلك أن نترك العواطف، ونتعامل مع هذه المشاكل
على أنها مسائل، وأن نعلم حكم الله المطلوب منّا.
ومن أهم ما ينبغي علينا فعله أن
نتجنب هذه الفتنة قدر الاستطاعة ولا نستشرفها، فإن القلوب ضعيفة، قد تؤثر فيها
الفتنة، كما في الحديث الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ
كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَىُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ،
وَأَىُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ؛ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى
قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ
السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ
يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ))
أخرجه مسلم (386)، فيجب علينا ألا نخوض في هذا الفيلم بالقول أو بالفعل، لا بالحديث عنه،
ولا بمشاهدته، فإن في ذلك إعانةً على نشره، كما "أنّ الإِعْرَاضَ عَنِ الباطل
أَحْرَى لإِمَاتَتِهِ وَإِخْمَالِ ذِكْرِ قَائِلِهِ" كما ذكر ذلك الإمام مسلم
رحمه الله في مقدمة صحيحه.
كذلك من المهم أن نعرف حق النبي
صلى الله عليه وسلم علينا، ونقوم به، فمن حقه علينا الإيمان به، وتعزيره، وتوقيره،
قال تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ
وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (الفتح: 9).
وأيضًا علينا أن نزداد تمسكّاً بهدي
النبي صلى الله عليه وسلم، بأن نتعلّم الأحاديث الصحيحة في كتب السنّة، وننشرها في
الأمّة، ونتعلم سيرته وهديه، ونقتدي به في الظاهر والباطن.
ومن نصرة نبينا صلى الله عليه
وسلم كذلك ما وجّه به سماحة الشيخ صالح بن فوزان
الفوزان حفظه الله، حينما سئل في محاضرة له بعنوان: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ
الْمُسْتَهْزِئِينَ}:كيف نُوجِّه طلابنا في المدارس؟ وبماذا ننصحهم؟ فأجاب: "عليكم أن تربُّوا أولادكم في المدارس وفي البيوت على محبَّةِ الرَّسول
صلَّى الله عليه وسلَّم، واتِّبَاعِه، وأن تلقِّنُوهم سُنَّة الرَّسول صلَّى الله عليه
وسلَّم وأنْ تُنشِّئوهم عليها، وأن تردُّوا على شبهات الأعداء، وتعطوا أبناءكم حُججًا
يردُّون بها هذه الشُّبهات، وهذا يكون بالتَّربية والتَّعليم.
ومناهج التَّوحيد وعقائد التَّوحيد -ولله الحمد- مقرَّرةٌ الآن في المساجد
وفي المدارس، والمعاهد والكليَّات، فعليكم أن تعتنوا بها دراسةً وحفظًا وفهمًا؛ حتى
يكون معكم سلاحٌ تقاومون به هؤلاء في الدَّاخل والخارج. عندنا: المنافقون، وفي الخارج:
اليهود والنَّصارى والمشركون.
لابد من التَّسلُّحِ بالعلم؛ العلم النَّافع والحُجَج الشرعيَّة من كتاب الله
وسنة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم" اهـ.
أما
استخدام العبارات والنداءات وتعليقها؛ فقد أشار فضيلة
الشيخ صالح الفوزان حفظه الله -في محاضرته الآنفة الذكر- إلى أن تعليق
الأوراق والعبارات على الجُدران أو على السيارات لا يجدي شيئًا، وقال: "هذه مظاهر لا أرى أنها سائغة؛
لأنهم سيفرحون بهذا؛ ويقولون: أسرناهم، وأثَّرنا فيهم، فلا يكون هناك مظاهرٌ تدل على .. الواجب أننا نرفضهم، وما كأنهم فعلوا شيئًا؛ لأنهم مخذولون، والحمد
لله"، فيجدر بنا ألا نقيم لهم وزنًا، كما قال حسّان بن
ثابت رضي الله عنه في قصيدته المشهورة التي دافع بها عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم:
فمن يهجو
رسولَ الله منكم ويمدحه وينصره
سواء
يعني:
فمدحكم لرسول الله ونصرتكم له وهجاؤكم إياه كل أولئك سواء لا يضره هجاؤكم، ولا
ينفعه مدحكم ونصركم؛ لأنكم من الهوان بحيث لا يؤبه بكم، وهو من العزة والمنعة
والوجاهة بحيث لا يُنال منه، ولا يُرتقى إليه.
وأخيرًا
علينا أن نبقى على الخير الذي معنا، ونسعى في الدعوة إليه والتوسع فيه، قال
تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا
تَعْقِلُونَ}
(الأنبياء:10) قال ابنُ سعديّ رحمه الله:
"لقد أنزلنا إليكم - أيها المرسل إليهم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - كتابا
جليلاً وقرآنًا مبينًا {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أي:
شرفكم وفخركم وارتفاعكم، إن تذكرتم به ما فيه من الأخبار الصادقة فاعتقدتموها، وامتثلتم
ما فيه من الأوامر، واجتنبتم ما فيه من النواهي، ارتفع قدركم، وعظم أمركم، {أَفَلا تَعْقِلُونَ}
ما ينفعكم وما يضركم؟ كيف لا ترضون ولا تعملون على ما فيه ذكركم وشرفكم في الدنيا والآخرة،
فلو كان لكم عقل، لسلكتم هذا السبيل، فلما لم تسلكوه، وسلكتم غيره من الطرق، التي فيها
ضعتكم وخستكم في الدنيا والآخرة وشقاوتكم فيهما، علم أنه ليس لكم معقول صحيح، ولا رأي
رجيح، وهذه الآية، مصداقها ما وقع، فإن المؤمنين بالرسول، الذين تذكروا بالقرآن، من
الصحابة، فمن بعدهم، حصل لهم من الرفعة والعلو الباهر، والصيت العظيم، والشرف على الملوك،
ما هو أمر معلوم لكل أحد، كما أنه معلوم ما حصل، لمن لم يرفع بهذا القرآن رأسا، ولم
يهتد به ويتزك به، من المقت والضعة، والتدسية، والشقاوة، فلا سبيل إلى سعادة الدنيا
والآخرة إلا بالتذكر بهذا الكتاب".
هذه ومضات من نور الكتاب والسنّة
في ذلك الحدث المسيء، خلاصتها أن نعلم أن الله عزّ وجلّ يبتلي العباد بعضهم ببعض،
ليتبين الصادق في إيمانه من الكاذب، وأن نوقن بأن الله تعالى ناصر نبيه صلى الله
عليه وسلم على مَن آذاه في حياته وبعد وفاته، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا}
(الأحزاب: 57)، فتوعّد سبحانه كلَّ مَن تعرض لأذى النبي صلى الله عليه وسلم
باللعنة في الدنيا والآخرة، والعذاب المهين، فلا يبتئس المسلمون بما يحصل من
المشركين، بل يحسنون الظنّ بربّهم، ويزدادون توقيرًا وتعزيرًا ومحبة لنبيهم،
ويحرصون على التمسك بسنته، هذه هي النصرة الحقيقة، ليزداد بها شانئوه حسرة ووبالاً.
ومتى ما رمنا العزة والشرف وقهر
الأعداء فلنتذكر بالقرآن، ولنستهدِ بهدي خير الأنام، صلوات الله وسلامه عليه.
5/11/1433هـ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق