الأربعاء، 12 يونيو 2013

ما يقول إذا خرج من بيته


ما يقول إذا خرج من بيته
عن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "إذا خرج الرجل من بيته، فقال: بسم الله، توكلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له:  هُديت وكُفيتَ ووقيتَ، فيتنحى منه الشيطان". فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجلٍ قد هُدي وكُفي ووُقي؟"[1].
وعن أمِّ سلمة –رضي الله عنها- قالت: ما خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: "اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلمَ أو أُظلمَ، أو أَجهلَ أو يُجهلَ عليَّ"[2].

وهذا تعليق لطيف على الحديث الثاني للشيخ صالح بن حميد –حفظه الله-:
" أن أَضِلَّ" بنفسه، من حيث هواه ونفسه. والنفس أمارة بالسوء.
"أو أُضَلَّ" يأتي من يضلّك، سواء الشيطان أو قرين السوء. وجلساء السوء ليس شيئًا بعيدًا، فقد يكون من أهلك وأقاربك {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}.
"أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ" الزَّلّة الانحراف.
فالضلال احتمال يكون في الشيء الفكري. والزلل في الشيء السلوكي. نسأل الله السلامة!
"أو أَظلمَ أو أُظلمَ"
الأولان تستعيذ فيهما بالله من الضلال وهذا ظاهر، سواء من نفسك أو من غيرك، لكن أن تظلم! هذه مهم أن تتفقد فيها نفسك.
كلنا الغالب إذا جلسنا في مجلس وسمعنا واعظًا يتكلم عن خصال سيئة كالغيبة والنميمة، كلنا نهز رؤوسنا، ونحمده على وعظه، لكن غالبًا أننا –وهو يعظ- أنّ أفكارنا ذهبت إلى غيرنا من الناس، لا يكاد الإنسان حينما يتكلم الواعظ عن الغيبة أو النميمة يقول: هل أنا واقع أم لا؟ ولهذا حين تقول "أن أظلم" مهم جدًا أن تتفقد هل ظلمتَ أو لا؟ وعلامة استجابة الله لك أن تنظر هل ظلمتَ أم لا؟ هل ظلمتَ الخادم أم لم تظلمه؟ هل ظلمتَ الزوجة أم لم تظلم؟ هل ظلمت أولادك أم لم تظلم؟ هل ظلمت جيرانك أم لم تظلم؟ فمهم جدًا أن الإنسان فعلاً يحاسب نفسه.
"أو أُظلم" لا شك أنك تستعيذ بالله أن يقيك مَن يوقِع عليك الظلم. وهذا وراد أن تُبتلى، لكن تسأل الله أن يقيك.
"أو أَجهلَ أو يُجهلَ عليَّ"
ليس المراد بالجهل عدم القراءة والكتابة.
الجَهْل: هو نوع من السفه يطغى على العقل. {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}[3]، وقال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}[4].
فأنت تستعيذ بالله أن تجهل، يعني أن تسفه. وقال: "أن أَجْهَلَ" يعني ليس دائمًا تكون جاهلاً، أحيانا يطغى عليك وتجهل، ولهذا عمرو بن كلثوم الجاهلي، مع أنه من قيادات قومه يقول:
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا     فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا
هذا حمق وسفه طبعًا، مع أنه يرى أنها عزة! يعني لا نقبل أن يغلط علينا أحد.
لذلك في الصيام: "مَن لم يدعْ قولَ الزور، والعملَ به، والجَهْلَ؛ فليس لله حاجةٌ أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه"[5].
وقال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ}[6]، وقال: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ}[7].
عمل السوء بجهالة هو شيء يطغى على العقل فيدخل مرحلة السفه، إما شيطان وإما اعتزاز بنفس وإما –طبعًا- ضعف إيمان، لذلك قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"[8] بمعنى أنه يضعف إيمانه، يضعف يضعف بحيث يقدم على المعصية، ثم يندم -وربّنا تواب رحيم والحمد لله- لكنه فعلاً ما كان إيمانه قويًا بحيث منعه.
المقصود أن نبين معنى الجهالة لأنه فعلاً لو كان الإنسان في كامل عقله السويّ ما أقدم على معصية، لأنها ما يقبلها عاقل، حتى الخمور التي ابتليت بها الدول -التي تُسمى متقدمة- تعلم أضرارها، وهي تصرف المليارات في علاج آثارها، معروف، فالإنسان لا يأتيها وهو عاقل، ولهذا قال الله عن الكفار {لا يَعْقِلُونَ}[9] ليس معناه أنهم مجانين، لأنهم لو كانوا مجانين لما كُلفوا أصلاً، ولكن معنى لا يَعْقِل، يعني لم يُعمِل عقلَه في تلك الساعة. وقال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}[10] فالإنسان يجهل أحيانًا، الذين يدخن هذا يجهل، وإلا بالاتفاق وبالإجماع وإجماع الأطباء وإجماع الصلحاء وإجماع المرشدين والموجهين والعلماء والمشايخ وأصحاب البيئة أنّ التدخين مضر، حتى المدخِّن يعرف أنّه مضر، فلماذا يدخن إذًا؟! ولهذا قال: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} الأنعام لو تعطيها علفًا (برسيم) متغيرًا رائحته ما تأكله. فكيف الإنسان يُقْدِمُ على التدخين؟! أقدم عليه لأنه سفه.
المقصود أن تسأل الله ألا تجهل، بمعنى ألا تدخل في مرحلة سفه.
كيف تعرف أنك لم تدخل في مرحلة السفه؟
قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}[11] الذي قال سلامًا لم يصل لمرحلة الجهل، بمعنى أنه ماسك نفسه وأعصابه، ومسيطر على عقله. عندما تغلط الزوجة عليك لا تجهل، أمسكْ نفَسك، حقيقة، لا تجهلْ، والله، بهذا تعمر البيوت، اتركوا العنف، وكونوا حليمين، كونوا رفيقين، كن مسيطرًا على عقلك، هذه هي القوة الحقيقة، ولا تكن جاهلاً، بمعنى أن تتصرف تصرّف الجهال، تصرف مَن هم أقلّ عقلاً يعني أقلّ حكمة.
"أول يُجهل عليّ" تسأل الله أن يسلّمك من الابتلاء بجاهل، لكن إذا ابتليت فقل: سلامًا.
إذًا تسأل الله ألا تَظلم وألا تُبتلى بمن يظلمك، وألا تَجهل وألا تُبتلى بمن يجهل عليك.


مقطع مفرّغ من شرح "آداب المشي إلى الصلاة" للشيخ صالح بن حميد، حفظه الله.
(باختصار وتصرف يسير).
تاريخ الدرس 22/ 7/ 1434هـ


[1]  رواه أبو داود (كتاب الأدب/ باب ما يقول إذا خرج من بيته/ 5095)، وصححه الألباني.
[2]  رواه أبو داود (كتاب الأدب/ باب ما يقول إذا خرج من بيته/ 5094)، وصححه الألباني.
[3]  (الفرقان: 63).
[4]  (القصص: 55).
[5]  "صحيح البخاري" (كتاب الأدب/ باب قول الله تعالى: {واجتنبوا قول الزور}/6057}.
[6]  (الأنعام: 64).
[7]  (النساء: 17).
[8]  متفق عليه، "صحيح البخاري" (كتاب المظالم/ باب النهبى بغير إذن صاحبه/2475). و"صحيح مسلم" (كتاب الإيمان/ باب نقصان الإيمان بالمعاصي، ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله/ 57).
[9]  (البقرة: 171).
[10]  (الأعراف: 179).
[11]  (الفرقان: 63).