الثلاثاء، 12 مايو 2009

مقدمة عامة قبل دراسة الفقه


مقدمة عامة قبل دراسة الفقه
مادة مفرّغة (بتصرف يسير) من الشريط الأول: لسلسلة شرح آداب المشي إلى الصلاة
للشيخ العلامة عبد المحسن بن حمد العباد البدر حفظه الله تعالى

ملحوظة: كل ما هو بغير اللون الأسود فليس من كلام الشيخ حفظه الله، وإنما هي عناوين وضعتها للتسهيل على القارئ.

بسم الله الرحمن الرحيم


قال حفظه الله تعالى ونفع به آمين:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، ودلّ أمته على كل خير، وحذرها من كلّ شر، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيلهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين
أما بعد
فسيكون الكلام في الدروس القادمة إن شاء الله على ما يتعلق بشروط الصلاة وأركانها وواجبتها وآداب المشي إلى الصلاة وهذه كلها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
وقبل أن نبدأ بالكلام عليها أتكلم بكلمة عامة عن الفقه وما ينبغي أن يكون عليه طالبُ العلم.
أهمية العناية بالفقه والحديث جميعًا
وهو أن يُعنى بالفقه، ويُعنى بالأدلة الدالة على المسائل، فيكون بذلك عارفًا بالحكم ودليله، وهذا هو المهم الذي على طالب العلم أن يحرص عليه، وأن يُعنى به غايةَ العناية.
فالفقه في الدين من علامة إرادة الله عزّ وجلّ الخير بالعبد، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق على صحته، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين))
[1] فهذا الحديث يدل على أن من علامة إرادة الله الخير بالعبد أن يفقهَه في دين الله، لأنه إذا فقه في دين الله عَرَف كيف يعبد الله وكيف يسير إلى الله بأن يعبدَ الله على هدى وعلى بينة وعلى حق جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنّة.
ودراسة الفقه تكون بقراءة كتاب من كتب الفقه التي أُلفت فيه، ولكن عند القراءة يكون مهمةُ الإنسان أن يعرفَ الحكمَ بدليله، وهذا هو الأمر المهم، ليس المهم أن الإنسان يعرف أحكامًا شرعية، أحكامًا لا دليل عليها، وإنما يعرف الدليل والمدلول، يعرف الحكم ودليله، وبذلك يكون الإنسان جمع بين الحسنيين:
1- الفقه
2- والأثر
ومن المعلوم أن العناية بالفقه والحديث والجمع بينهما هذا هو المهم لطالب العلم، ولا يُعنى بجانب ويُغفل الجانب الآخر، بل عليه أن يُعنى بالأمرين معًا؛ لأنه لو اعتنى بجانب الفقه الذي هو معرفة الأحكام من غير معرفة أدلتها؛ يكون عنده قصور وعنده نقص، وذلك لأنه عَرَف أقوالاً لكن ما عَرَف مستندها، وإذا كان الإنسان شَغَل وقته بالأحاديث ومعرفة أسانديها ورجالها ولكنه ما اعتنى بمعرفة ما يُستنبط منها، فإنه يكون هناك نقص، والجمع بين الحسنيين يكون بالعناية بالحديث والفقه، يكون بالعناية بالدليل والمدلول، فلا يَطغى جانبٌ على جانب، وإنما يكون الإنسان مَعنيًا بهذا وبهذا، وقد ذكر أبو سليمان الخطابي رحمه الله في أول كتابه "معالم السنن" كلامًا بيّن فيه أهمية العناية بالحديث والفقه
[2]، وأن الإخلال بواحد منهما يكون فيه نقص على صاحبه، وضرب لذلك مثلاً فقال: إن الذي يُعنى بجانب معرفة الأحاديث ولكنه لا يُعنى بفقهها ولا ما يُستنبط منها ولا معرفة الأحكام الشرعية التي تستنبط منها؛ فإنه يكون بمثابة الإنسان الذي يبني بنيانًا فيُحْكِم أساسَه ويقوي أساسَه ولكنه لا يبني عليه فروعًا غُرَف وحُجَر يُستظلّ بها ويستفاد منها، لأنه اعتنى بجانب الأصول دون معرفة الفروع التي تستنبط من الأصول، وهي الأحكام الشرعية المستمدة من الأدلة الشرعية، فيكون بذلك اعتنى بالأساس لكن ما بنى عليه شيئًا يكون الاستظلال به والاجتنان به والاستفادة منه، والذي يعتني بالفقه ولكن ما يعتني بالدليل كالذي يبني بنيانًا على غير أساس، يُحكِم البنيان يُحكِم الفروع ولكنه ما بناها على أساس؛ فينهار البنيان لأنه ما بُني على أساس، ولكن إذا أُحكم الأساس وبني عليه الفروع لحصل التكامل وحصل الكمال وحصل الانتفاع بصفة مستمرة؛ لأن الأساس محكم ومتين، والفروع التي بنيت عليه لا يخشى بها الانهيار والسقوط؛ لأن الأساس محكم والفروع محكمة، فيكون هذا هو مثال مَن جمع بين الفقه والحديث، الأساس محكم، والفروع محكمة، فيستفاد من هذا العمل، وإذا اُعتني بالاساس ولم يؤتَ بفروع عليه حصل النقص وما حصلت الفائدة المرجوة، وإذا لم يكن هناك أساس وبُني فروع على غير أساس فإن ذلك البنيان ينهار، فالعناية بالفقه والحديث معًا هي الجمع بين الحسنيين، والعناية بالحديث فقط دون معرفة الأحكام الشرعية وما يُستنبط منه نقص كبير ويكون مثل الأساس الذي ليس عليه بنيان، والعناية بالفقه من غير أساس كالبنيان الذي بني على غير أساس فإنه ينهار؛ ولهذا الذي يعتني بالفقه والمسائل الفقهية وأقوال الفقهاء قد يحصل منه الاحتجاج بحديث ضعيف أو حديث موضوع لأنه رأى (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا) وهو ليس عنده معرفة بما يصح وما لا يصح، فيأتي به مستدلاً به، وذلك لعدم معرفته بالأساس وبما يكون ثابتًا وما يكون غير ثابت.
لهذا فإن العناية بالأمرين جميعًا هذا هو المهم لطالب العلم، يعتني بهذا ويعتني بهذا، لا يخلُّ بهذا ولا بهذا.
حاجة الطالب لكلام الفقهاء وتوقيرهم والاعتدال في الأخذ عنهم
ثم إذا رجع لكلام أهل العلم وكلام الفقهاء يرجع إليهم وإلى كلامهم باحترام وتوقير وتعظيم لهم وثناء عليهم ودعاء لهم واستفادة من علمهم في الوصول إلى الحق، حيث لا يكون الحق واضحًا ولا يكون الدليل واضحًا؛ فإن الإنسان يستعين بكلام الفقهاء وبكلام أهل العلم ويستفيد بذلك معرفة ما عندهم بحثًا للوصول إلى الحق وإلى الدليل؛ فيعرف الأقوالَ المختلفة، ودليلَ كل قول، وما يكون صحيحًا وما يكون غيرَ صحيح، وتكون النهاية أن يُعوّل على القول الذي دلّ عليه الدليل وصحّ الحديث الذي يدل على ذلك القول.
اجتهاد الأئمة الأربعة في الوصول للحق، وتفاوتهم في الأجر، وأنهم قد يصيبون الحق أو يخطئونه

وهذا هو الذي حرص عليه الأئمة الأربعة وغيره الأئمة الأربعة، فإنهم اجتهدوا في الوصول للحق واعتنوا غاية العناية واجتهدوا، ومن اجتهد وأصاب فإنه يحصّل أجرين؛ أجرًا على الاجتهاد وأجرًا على الإصابة، ومن اجتهد وأخطأ؛ فإنه يحصّل أجرًا على الاجتهاد وخطؤه مغفور، لأنه بذل وِسْعه في الوصول إلى الحق، وعلى هذا فإنّ كلَّ مجتهد مصيبٌ أجرَه، المجتهد لا يَعدم الأجر أو الأجرين، فهو مأجور على كل حال، إن أصاب وإن أخطأ؛ لأنه بذل وسعه للوصول للحق، ولكن من بذل وسعه قد يُوفق للحق وقد يخطئه، والنبي صلى الله عليه وسلم بيّن في الحديث المتفق على صحته أن المجتهد قد يوافق الحق وقد يخطئه، فليس كل مجتهد مصيبًا، وإنما يصيب الحق من يصيبه ويخطئه من يخطئه، لكن كل مجتهد مصيب أجرَه، مع التفاوت في الأجر، بين الأجر والأجرين، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطا فله أجر واحد))[3] فهذا الحديث يدل على أن كل مجتهد مصيب أجرَه، مع التفاوت في الأجر، ويدل على أنه ليس كل مجتهد مصيب حقًا، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قسّم المجتهدين إلى قسمين، مصيب ومخطئ، لأنه قال ((إذا اجتهد فأصاب)) و((إذا اجتهد فأخطأ)) ولو كان كلّ مجتهد مصيبًا ما كان لهذا التقسيم معنى، وهذا التقسيم له معنى، وهو أن من الناس من يصيب الحق ومنهم من يخطئه.
الفرق بين اختلاف التضاد واختلاف التنوع
وهذا إنما هو في اختلاف التضاد، منهم من يصيب ومنهم من يخطئ، واختلاف التضاد بأن يقول أحد: هذا حلال وهذا يقول: هذا حرام، أو هذا يبطل الوضوء وهذا يقول: لا ما يبطل الوضوء، هذا ينقض الوضوء وهذا يقول: ما ينقض الوضوء، هذا يبطل الصلاة وهذا يقول: ما يبطل الصلاة، هذا تضاد، فالحق واحد في مسائل التضاد.
أما الاختلاف الذي يقال له اختلاف تنوع فإن هذا ليس تضادًا، وإنما الحق أنواع، فكل ما ثبت من أنواع الحق وأُخذ به فالآخذُ به على حق، مثل: ألفاظ الاستفتاح وألفاظ التشهد لأنها جاءت بصيغ متعددة، فما صحَ وثبت منها، من أخذ بأيِّ واحد منها أخذ بحق، من أخذ بهذا أخذ بحق، ومن أخذ بهذا أخذ بحق، ومن أخذ بهذا أخذ بحق، لأنها أنواع للحق، اختلاف التنوع، كل ذلك أنواع للحق، ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك...))
[4] في دعاء الاستفتاح ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي...))[5] ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض...))[6] كل ما جاء من أحاديث ثابتة في الاستفتاح فإن الأَخْذَ بأيِّ واحدٍ منها أَخْذٌ بحق، ومن اختار من الأئمة هذا الاستفتاح على هذا؛ فهذا الاختلاف اختلاف تنوع لا يؤثر، من أخذ به فهو مصيب، ومن أخذ بهذا فهو مصيب، ومن أخذ بهذا فهو مصيب.
وجوب توقير العلماء مع ترك التعصب لهم

ثم إن الإنسان عندما يرجع إلى كلام العلماء - كما أسلفتُ - يرجع إليهم أو إلى كلامهم وهو محترمٌ لهم موقرٌ لهم مستفيدٌ من علمهم، معتقدًا بأنهم غيرُ معصومين وأنهم يصيبون ويخطئون، وأن كلَّ واحدٍ منهم أرشد إلى أن يؤخذ بالدليل وأن يُترك قولُه إذا وُجد له قولٌ قد جاء حديث صحيح بخلافه، وهذا من عدلهم وإنصافهم وحرصهم على الأخذ بالحق، وأنهم لا يتعصبون لأقوالهم وآرائهم، بل يرشدون إلى ترك ما قالوه إذا وُجد الدليلُ الصحيح بخلاف ما قالوه.
لا يقال في حق أحد أنه أحاط بعلم الشريعة

ومعلوم أنه لا يقال عن شخص من الناس أنه أحاط بالأحكام الشرعية بحيث لا يفوته منها شاردة ولا واردة، فإن هذا لا يقال في حق واحد، لا في الأئمة الأربعة، ولا في حق مَن قبلهم، في حق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يقال في أيِّ واحد من الصحابة أنه عنده علمٌ بكل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يخفى عليه شيء منه، هذا لا يُقال في حق أحد، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يحدّث بالأحاديث ويحضر مجلسه بعضُ أصحابه، ويغيب كثيرٌ من أصحابه عن مجلسه، ويحدّث في هذا المجلس ما لا يحدّثه في المجلس الآخر، فمن حضر وسمع حديثًا نقله، ومن أوضح ما يبين هذا قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما ذهب إلى الشام وأُخبر بأنّ الطاعون وقع في الشام، ولقيه أبو عبيدة وأمراء الأجناد، وفيهم من يشير إلى عمر بأن يدخل، ويقول إنّ عدم الدخول فرارٌ من قدر الله، فالإنسان يُقْدِم ولا يفرّ من قدر الله، ومنهم من يقول: إنه لا يؤتى بالسبب الذي يؤدي إلى الضرر، والله تعالى قدّر الأسباب والمسبَّبات، وأمر بالأخذ بالأسباب التي توصل إلى ما ينفع، كذلك الأخذ بالأسباب التي تخلّص وتمنع من الوقوع فيما هو محذور وفيما هو ضار، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انقسموا إلى قسمين، منهم من يشير عليه بأن يرجع وألا يدخل الشام وفيها الطاعون، ومنهم من يقول ادخل، ثم دعا بمسلمة الفتح المهاجرين من مسلمة الفتح الذين انتقلوا من مكة إلى المدينة بعد فتح مكة، ..........................................
حصل انقطاع
فيسمعه من كان حاضرًا ويتحمّله من كان حاضرًا، والذين ما حضروا ما عرفوه، ولهذا كانوا يتناوبون على رعاية الإبل، بدل ما يَسْرَحُ كلُّ واحدٍ منهم في إبله، يجمعون الإبل ثم كلّ واحد يَسْرَحُ فيها يوم، والباقون يحضرون مجلسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتلقون عنه السُّنن ويتحملون عنه الأحاديث.
عمر رضي الله عنه استقر رأيه بأن يرجع، فقال له أبو عبيدة: "تفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟!" قال: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نفرّ من قدر إلى الله إلى قدر الله"
كل شيء مقدّر، دخولنا مقدّر ورجوعنا مقدّر، كل ما يحصل من حركة وسكون فهي بقضاء الله وقدره، الإقدام بقَدَر، والطاعون مقدّر، والرجوع عنه مقدّر، فمن دخل وحصل منه الدخول فإنه حصل ذلك بقدر الله، ومن رجع فإن رجوعه وعدم دخوله بقدر الله، لأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فكل ما يقع في الوجود فهو بقضاء الله وقدره، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه غائبًا عن تلك المحاورة والمشاورة، فجاء وعَلِم بالذي حصل، فقال: عندي فيها عِلْمٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا سمعتم به بأرض فلا تُقدموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه)) (7) إذا كان في بلد لا تدخلوا عليه، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فسُرّ؛ لأنه اجتهد وليس هناك نص وصار اجتهادُه موافقًا للنص.
لا اجتهاد مع النصّ
ولهذا لا اجتهاد مع النص، إذا جاء النص فلا اجتهاد، لكن حيث لا نص فإنه يكون اجتهاد، فعمر رضي الله عنه اجتهد، ولما عَلِم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أنه لا يُدخل على الطاعون فرح وسُرّ، وهذا من موافقات عمر، وعمر رضي الله عنه له موافقات وهو ملهم، يعني: يقول القول باجتهاده فيكون مطابقا للحق، وليس هذا دائمًا وأبدًا، فهناك مسائل فقهية ومسائل يختلف فيها مع أبي بكر رضي الله عنه ويكون الحق مع أبي بكر رضي الله عنه، ولكن اجتهاداته رضي الله عنه يحصل فيها كثيرًا موافقة للحق، ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحَدَّثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب))
[8]، وهذا لأنه يحصل منه التوفيق لإصابة الحق، وأنه يحصل منه اجتهاد يكون مطابقًا للحق، ولكن ليس هذا دائمًا وأبدًا، فإنه قد يحصل الخلاف بينه وبين غيره من الصحابة ويكون الدليل مع غيره رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.
الحاصل: أنه لا يقال في أحد من الناس أنه أحاط بكل شيء من الأحكام بحيث أنه لا يفوته منها شيء.
وبهذا كما عرفنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قسّم المجتهدين إلى قسمين، منهم من يصيب ومنهم من يخطئ، ولكن لايجوز لإنسان أن ينالَ من العلماء وأن يقدحَ فيهم وأن يذمَّهم، بل يرجع إليهم ويستفيد من علمهم ويوقرهم، ولهذا يقول الطحاوي رحمه الله في عقيدة أهل السنّة والجماعة: "وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخَبَر والأثر وأهل الفقه والنظر لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل"
[9].
أشار إلى المحدثين والفقهاء، بقوله ((أهل الخَبَر والأثر وأهل الفقه والنظر))، فقوله ((أهل الخَبَر والأثر)) المحدثون ((وأهل الفقه والنظر)) الفقهاء.
كل هؤلاء يُستفاد من علمهم ويُثنى عليهم ويُدعى لهم، ولا يُنال منهم، والذي يذكرهم بسوء فإنه على غير السبيل.
أقسام الناس تجاه الأئمة
والناس ينقسمون تجاه الأئمة إلى قسمين:
قسم يكون غاليًا
وقسم يكون جافيًا
والحق وسط بين الغلو والجفاء، الحق هو الاعتدال والتوسط، ليس بالتعصب لهم، ويقول بقول الإمام في كل مسألة، ويقول إذا ذُكر له دليل على خلاف ما يقوله الإمام قال: "لو كان ذلك ما خَفي على الإمام" هذا كلام غير صحيح.
الإمام الشافعي رحمة الله عليه جاء عنه في مسائل عديدة أنه كان يقول قولاً في المسألة يراه باجتهاده ويكون بلغه فيه حديثٌ ضعيف على خلاف ما رآه فيقول: "أقول فيها بكذا وإن صحّ الحديثُ قلتُ به"
[10] لأن الدليل الذي بلغه ليس من طريق صحيح، بل من طريق ضعيف، فهو لم يعوِّل عليه لأنه ما صحّ، ولكنه قال: "إن صح قلت به" ولهذا كان بعض أصحابه كالبيهقي والنووي إذا صحّ الحديث قالوا: "وقد صحّ الحديث فهو مذهب الشافعي" إذا اطلعوا على الحديث من طريق صحيح قالوا: "وقد صحّ الحديث فهو مذهب الشافعي" لأنه علّق القول به على صحته، إذًا فهو مذهبه حكمًا بناء على قوله وقاعدته التي قالها، وهي أنه إذا صحّ الحديث فهو مذهبه، قالوا: "وقد صحّ الحديث فهو مذهب الشافعي".
فلا يُغلى ولا يُتعصب لأحد منهم، ولا يجفى بأن يُنال منهم ويقال: (هم رجال ونحن رجال، ولا نرجع إلى كلامهم)، هذا جفاء، والحق وسط بين هذا وهذا، نرجع إلى كلامهم وإلى كتب الفقه، ونستفيد منها ولا يستغني طالب العلم عن كتب الفقه، لأن كثيرًا من المسائل ليس عليها أدلة واضحة، وإنما تكون مبنية على قواعد من قواعد الشريعة، أو مبنية على قياس يعني: يُلحق النظير بالنظير والشبيه بالشبيه وهكذا، ولكن إذا وُجد نص في المسألة فلا مجال للاجتهاد، ولكن حيث لا نص فالمجال واسع، ولكن الإنسان عندما يرجع إلى كلام العلماء يرجع ليستفيد منهم، ويحترمهم ويوقرهم، فلا يغلو ولا يجفو، لا يكون غاليًا ولا يكون جافيًا، وإنما يكون عَدْلاً وَسَطَا خِيَارًا، لا يكون غاليًا ولا يكون جافيًا.

ولا تَغْلُ في شيءٍ من الأمرِ واقتصدْ كلا طرفي قصدِ الأمورِ ذميمُ
فالحق وسط بين طرفين مذمومين؛ طرف الغلو وطرف الجفاء، طرف الإفراط وطرف التفريط.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه "الروح" مثلا ضربه للرجوع إلى كلام أهل العلم مع توقيهم واحترامهم والثناء عليهم، وأن الإنسان يستعين بهم في الوصول إلى معرفة الدليل، فإذا بلغ الدليل ووصل إلى الدليل استغنى به عن كل ما سواه ولم ينظر إلى غيره، وضرب لذلك مثلاً فقال: مَثَل ذلك كالنجوم الذي يهتدى بها إلى جهة القبلة في ظلمات الليل، الإنسان لا يعرف جهة القبلة ولكنه يجتهد في معرفتها عن طريق النجوم ومعرفة مخارجها ومطالعها ومغايبها يعرف اتجاه القبلة، والله تعالى جعل النجوم علامات يُهتدى بها، {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}
[11] ولكن الإنسان إذا وصل إلى الكعبة وصار تحت الكعبة والكعبة أمامه؛ لا يحتاج إلى أن ينظر للنجوم من أجل أن يهتدي للقبلة، لأن القبلة قدامه، لأنه وصل إلى الغاية، فكذلك الإنسان الذي يرجع إلى كلام الفقهاء يستفيد من علمهم في الوصول إلى الدليل وإذا وصل إليه استغنى به عن غيره، ولم يعوِّل على غيره [12]، وهذا فيه أخذٌ بوصايا الأئمة لأن كلَّ واحد منهم أوصى أنه إذا وُجد له قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فإنه يترك قوله ويعوَّل على ما صح عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهذا مثل واضح، يستفيد من النجوم في معرفة القبلة ولكنه إذا وصل إلى القبلة وصار تحتها ينظر إليها لم يكن بحاجة إلى النجوم، لأن الغاية التي يريدها هي أمامه، وكذلك الإنسان الذي يرجع إلى كلام الفقهاء من أجل معرفة الحق ومعرفة الدليل ومعرفة ما يصح من الأقوال ومعرفة الأدلة على كل قول، ثم ينتهي بعد ذلك إلى معرفة أن هناك دليل في المسألة ودليل فاصل في المسألة، فعند ذلك يُصار إليه ولا يُصار إلى قول أحد؛ كما قال الإمام الشافعي رحمة الله عليه: "أجمع المسملون على أنه من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يَدَعَها لقول أحدٍ كائنًا من كان"[13].
تفاوت العلماء في فقه النصوص الشرعية
والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالتبليغ عنه، كما جاء في الحديث المتواتر: ((نضّر اللهُ امرًأ سمع مقالتي فبلغها، فربّ حاملِ فقهٍ غيرِ فقيه، وربَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه))
[14] لأن متن الحديث يكون مع عدد من الأشخاص، وكلّ واحد إذا استنبط منه فوائد، فيستنبط هذا ما لا يستنبط هذا، ويغوص هذا على فوائد ما وصل إليها غيرُه، والناس يتفاوتون في الأفهام ويتفاوتون في الفهم والاستنباط، فقد يأخذ إنسان دليلاً من مسألة ما تنبه له غيره، بينما يأتي إلى الحديث الواحد فيستنبط منه عشرات الفوائد المستنبطة من الحديث، وهذا هو الفقه، لأن الفقه هو الفهم والاستنباط من الأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ولهذا الإنسان عندما يطالع بعضَ كتب الحديث التي عُني أصحابها بالاستنباط والفهم منها؛ يجد مسائل دقيقة ومسائل خفية توصلوا إليها وفهموها من الألفاظ ومن سياق الألفاظ لا يحصل لكل أحد أن يتيسر له ذلك الفهم، ومن أمثلة ذلك أن الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرحه لصحيح البخاري عندما جاء عند حديث ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده))
[15] هنا عبّر باللسان ولم يعبر بالقول، ما قال (المسلم من سلم المسلمون من قوله) إنما قال ((من لسانه)) ذكر الحافظ ابن حجر أن التعبير باللسان فيه فائدة لا توجد في التعبير بالقول، وذلك أن الإنسان قد يُخرج لسانه يستهزئ، لا يتكلم لكن يُخرج لسانه يستهزئ، هذا فعل ليس قولاً، لكن لو جاء الحديث (المسلم من سلم المسلمون من قوله) ما فُهم هذا المعنى وما جاء هذا المعنى تحت اللفظ، لكن لما جاء التعبير باللسان شمل القول وشمل الفعل، فعل اللسان، كونه يخرجه يستهزئ، التعبير باللسان تأتي فيه هذه الفائدة التي لا توجد في التعبير بالقول لو جاء التعبير بالقول[16].
وكذلك التعبير باليد، اليد قد تباشر الضرب أوتباشر الإساءة، وقد يكون الإنسان يسلم بعضُ الناس من يده، الذين ما أدركهم والذين سبقوه ليسوا في زمانه حتى يؤذيَهم بضربه، ولكنه قد يؤذي من كان في زمانه، لكن قد يصل إلى السابقين والذين ماتوا قبله بمئات السنين يصل إليهم أذى يده وذلك بأن يكتب فيهم كتابة سيئة، يكتب كتابة سوء في أناس متقدمين، كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً، مضى عليهم قرون، فيأتي إنسان ويكتب كتابة فيها نيل منهم، فهذا فيه إيذاء، ويكون الذين سبقوه ما سلموا من يده، فيبقى كتابه وفيه ذلك الذم وذلك النيل فيكون آثما بإساءته إلى من تقدموه ومن سبقوه.
الحاصل: أن النصوص الشرعية يتفاوت الناس في فهمها والاستنباط منها وليسوا كلهم على حدٍّ سواء، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين))
[17] قد يتمكن هذا مما لم يتمكن منه هذا.
هذه كلمة أردت الإتيانَ بها بين يدي الكلام على "شروط الصلاة وأركانها وواجباتها" وعلى كتاب "آداب المشي إلى الصلاة" وكلها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عليه، وأسأل الله عزّوجلّ أن يوفقنا جميعًا لتحصيل العلم النافع والعمل به إنه سبحانه وتعالى جواد كريم.


====================================================================


[1] "صحيح البخاري" (كتاب العلم/13- باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين/ 71) ، "صحيح مسلم" (كتاب الزكاة/ باب النهي عن المسألة/ 1037)
[2] انظر نصّ كلام الإمام الخطابي في مقدمة "معالم السنن " لأبي سليمان الخطابي (1/3-4) ط دار الكتب العلمية
[3] "صحيح البخاري" (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة/ 21- باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ/ 7352)، "صحيح مسلم" (كتاب الأقضية/ باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ/ 1716)
[4] رواه أبو داود (كتاب الصلاة/ 122- باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك"/ 776) وقال الألباني: صحيح.
[5] "صحيح البخاري" (كتاب الأذان/ 89- باب ما يقول بعد التكبير/ 744) "صحيح مسلم" (كتاب المساجد/ باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة/ 598)
[6] "صحيح مسلم" (كتاب صلاة المسافرين/ باب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالليل/ 771)
[7] "صحيح البخاري" (كتاب الطب/30- باب ما يُذْكَرُ في الطاعون/ 5729)، "صحيح مسلم" (كتاب السلام/ باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها/ 2219).
[8] رواه البخاري (كتاب أحاديث الأنبياء/ 54- الباب الذي يلي باب حديث الغار/ 3469) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[9] أبو جعفر الوراق الطحاوي "العقيدة الطحاوية"
[10] انظر "كفاية الأخبار" (1/285) ترقيم الشاملة
[11] [النحل : 16]
[12] ابن قيم الجوزية. "الروح" (1/ 264) ترقيم الشاملة، ونصّ كلامه رحمه الله: "... ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به، ولذلك سمى تقليدًا، بخلاف من استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى".
[13] نقله ابن القيم في "إعلام الموقعين" (2/282) ترقيم الشاملة
[14] رواه أبو داود (كتاب العلم/ باب فضل نشر العلم/ 3660) عن زيد بن ثاتب رضي الله عنه، ورواه الترمذي ( كتاب العلم/ باب الحث على تبليغ السماع/ 2656) ، وقال: وفي الباب عن عبد الله بن مسعود و معاذ بن جبل و جبير بن مطعم و بي الدرداء و أنس قال أبو عيسى حديث زيد بن ثابت حديث حسن، ورواه ابن ماجه (المقدمة/ باب من بلغ علمًا/ 230) وهو حديث - كما ذكر الشيخ حفظه الله- متواتر.
[15] متفق عليه "صحيح البخاري" (كتاب الإيمان/ 4- باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده/ 10) ، "صحيح مسلم" (كتاب الإيمان/ باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل/ 40)
[16] ونصّ كلام ابن حجر رحمه الله: "والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد، لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد، بخلاف اليد، نعم يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإن أثرها في ذلك لعظيم" ثم قال: "وفي التعبير باللسان دون القول نكتة، فيدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة، فيدخل فيها اليد المعنوية كالاستيلاء على حق الغير بغير حق". "فتح الباري" (1/70)
[17] سبق تخريجه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق