السبت، 29 يناير 2011

كتاب العلم - باب ما يُذكر في المناولة

بسم الله الرحمن الرحيم
شرح ما تيسر "صحيح البخاري" لفضيلة العلامة المحدِّث عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى
(مفرَّغ من الأشرطة مع الاختصار والتصرّف)

قال البخاري رحمه الله تعالى:
3. كتاب العلم
7 ـ باب مَا يُذْكَرُ فِي الْمُنَاوَلَةِ وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ     
مناسبة الباب لما قبله:
لما ذكر البخاري في الباب الأول الذي قبل هذا ما يتعلق بالسماع وما يتعلق بالعرض، انتقل بعد ذلك إلى طريقين من طرق التحمل، وهما: المناولة والكتابة.
تعريف المناولة:
المناولة هي: أن يدفع الشيخ مروياتِه المكتوبة (أصلاً من أصوله) إلى تلميذ من تلاميذه أو إلى رجل فيقول: هذه مروياتي فاروِها عني، أو كذلك يدفع له تصنيفًا من تصانيفه ويقول: هذا تصنيفي فاروه عني، عني، فيرويه عنه بذلك، دون أن يسمعه من لفظ الشيخ ودون أن يقرأه على الشيخ.
تعريف الكتابة:
هي أن يكتب رجل إلى آخر بحديث فيرويه عنه بهذه الكتابة.
والمناولة والمكاتبة طريقان من طرق التحمل، فهما أقوى ما يكون بعد السماع والعرض.
رأي المحدثين في طريق المناولة والمكاتبة والطريقة التي تُستعمل عند التحديث بهما.
والإمام البخاري رحمه الله عقده لهذا الباب، وإيراده لبعض ما جاء في ذلك من الآثار، واستدلاله على ذلك ببعض الأحاديث يدل على أنه يرى صحة الأخذ عن طريق المناولة وعن طريق المكاتبة، إلا أن المشهور عند المحدثين أنه عندما يروي الراوي بالمناولة والمكاتبة، ما يكتفي بأن يقول: حدثني فلان، بل يجب أن يصرّح بذلك، فيقول: حدثني فلان مناولة، أو كتب إليّ بكذا، هذه هي الطريقة التي تُستعمل عند التحديث فيما كان عن طريق المناولة والمكاتبة.
فائدة:
والإمام البخاري رحمه الله استعمل التحمل عن طريق الكتابة أو المكاتبة في موضع واحد من صحيحه، قال فيه: "كتب إليّ محمد بن بشار" محمد بن بشار شيخه وقد روى عنه كثيرًا، ولكن هذا الموضع الذي قال فيه: "كتب إليّ محمد بن بشار" بلّغها عن طريق المكاتبة، وقد قال الحافظ ابن حجر في شرحه: إنه لم يقع له هذا إلا في هذا الموضع.
البخاري رحمه الله ذكر بعض الآثار في هذا، فقال:
باب مَا يُذْكَرُ فِي الْمُنَاوَلَةِ وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ     
أشار بالترجمة إلى الاثنين:
1. إلى المناولة بقوله (باب ما يُذكر في المناولة)
2. وإلى المكاتبة بقوله (وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان).
ثم أورد آثارًا تدل على هذا، فقال:
وَقَالَ أَنَسٌ: نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ‏.
يمعنى هذا أن هذه المصاحف التي كتبها عثمان[1] وأرسل بها إلى الآفاق صار أخذُ أهل الآفاق بها فيه إسناد ذلك إلى عثمان عن طريق إرسال المكتوب إليهم، لا أن ثبوتها حصل عن طريق إرسال عثمان، لأن القرآن ثابت بالتواتر، وإنما الذي حصل من عثمان رضي الله عنه وأرضاه تدوين هذا الذي ثبت نقله بالتواتر في مصحف وتوزيعه على الناس حتى لا يلتبس الأمر على الناس، وحتى لا تضطرب الأمور عليهم، فجمع الناس على مصحف واحد، وأحرق ما سوى ذلك، يعني: من الأشياء التي هي غير هذا المصحف الذي نسخ منه عدة نسخ.
فهذا يدل على اعتبار المكاتبة أو المناولة، لأن فيه مناولة لتلك المصاحف، والمصاحف قد كُتبت، فإسنادها إلى عثمان عن طريق بعثها إلى الآفاق.
‏وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزًا‏.‏
ونقل عن هؤلاء عبد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، ومالك أن ذلك جائز، يعني: اعتبار المناولة واعتبار المكاتبة، وأنها طريق من طرق التحمل.
وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي الْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ كَتَبَ لأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ ‏"‏لاَ تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا‏"‏‏ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم‏.‏
محل الشاهد:
كون النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى أمير السَّريةَّ كتابًا مغلقًا مختومًا، وناوله إياه، وأمره أن يقرأه عليهم عندما يصلون إلى مكان كذا وكذا، ثم بعد ذلك جاء في الكتاب أنهم بعد ذلك ليسوا ملزمين، فمضى معظهم ورجع منهم اثنان، قالوا: فهذا دليل على جواز المناولة وعلى اعتبارها؛ لأن هؤلاء الذين قُرئ عليهم الكتاب حصل ذلك عن طريق المناولة لأميرهم، واعتمدوا ما فيه.
قال (بعض أهل الحجاز)  وذُكر أنه الحميدي شيخ البخاري الذي روى عنه أول حديث من أحاديث الجامع الصحيح.
وقال:
64 ـ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلاً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ‏،‏ فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ‏.‏
هذا الحديث أورده الإمام البخاري ليستدل به على اعتبار المكاتبة وعلى اعتبار المناولة، فهو صلى الله عليه وسلم ناول رسوله هذا الكتاب وأمره بدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه إلى كسرى، ليعمل بما فيه ويلتزم بما فيه، فإذن كتابة العلماء من بعضهم إلى بعض في علم وفي الحديث تعتبر كما اُعتبر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أرسله ليُعتبر وليعمل بما جاء فيه.
وقال ابن شهاب: فحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ‏.‏
لما بعثه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عظيم البحرين، دفعه إلى كسرى فمزقه.
من فوائد الحديث:
1- اعتبار المكاتبة والمناولة.
2- شدة الفرس وخبثهم وقسوتهم وعلى سوء معاملتهم، وما جرى في الحرمين في هذه السنة والسنوات التي مضت هو دليل على هذا، وهذا إنما هو فيمن ورث هذا السوء عن أسلافهم، وأما من هداه الله ووفقه الله عزّ وجلّ، وأسلم وحسن إسلامه فليس عنده هذا السوء، وإنما السوء فيمن كان على طريقة هذا الملك السيء الذي مزّق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُمزَّقَ ملكه فمُزِّق، وكان ذلك في زمن الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولهذا فإن الرافضة يحقدون على عمر أكثر مما يحقدون على غيره، لأنه انتهى على يديه ملك الفرس، وانتهت في يديه دولة الفرس رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن كنوز كسرى ستنفق في سبيل الله، وأنفقت في سبيل الله، حيث فُتحت على يد الجيوش التي أرسلها عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجاءت الكنوز إلى عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه في هذا المسجد، وأُدخلت في هذا المسجد، فوزعها وقسمها عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وتحقق بذلك مصداق ما أخبر به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو معجزة من معجزاته عليه الصلاة والسلام، إذ أخبر بأمر لم يقع فوقع طبقًا لما أخبر به صلى الله عليه وسلم.
65 ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ كَتَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كِتَابًا ـ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ ـ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلاَّ مَخْتُومًا‏،‏ فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ‏،‏ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ‏، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ‏.‏
هذا الحديث أيضا يتعلق بالمكاتبة واعتبارها، وأن النبي عليه الصلاة السلام فعلها، حيث كتب أو أراد أن يكتب[2]، معناه: أنه وُجدت الكتابة بالفعل أو أنه همّ بأن يكتب.
فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلاَّ مَخْتُومًا
يعني: لا يعتبرونها إلا إذا كان عليها ختم.
فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ
فاتخذ صلى الله عليه وسلم خاتمًا من فضة
نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
يعني: النقش الذي كُتب على الخاتم هو: محمد رسول الله
هذه هي الكتابة التي كُتبت على هذا الختم الذي يختم به، ويضعه على الرسالة وعلى الكتاب الذي يكتبه إلى الملوك.
محل الشاهد: كون النبي صلى الله عليه وسلم كتب، واتخذ الكتابة، وبعث بالكتب، وأن الكتابة معتبرة، وهو مثل الذي قبله.
من فوائد الحديث:
1- اعتبار المكاتبة.
2- بيان سبب اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم  للخاتم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن متخذًا خاتمًا من قبل، وإنما اتخذه بهذه المناسبة لما أُخبر بأنهم لا يعتبرون الكتاب إلا إذا كان مختومًا، فاتخذ صلى الله عليه وسلم خاتمًا من فضة، وكان يضعه في إصبعه.
ويقول أنس: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ
يعني: ينظر إلى بياض الخاتم في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول شعبة: فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ أَنَسٌ‏.‏
يعني: من قائل (نقشه محمد رسول الله)؟ قال: أنس.


[1] أي: كُتبت بأمره وتوجيهه وإرشاده لأنه كان الخليفة فأمر بكتابة المصحف، فنسخ عدة مصاحف وأرسلها إلى الآفاق، وأحرق ما سواها.
[2] ومعنى (كتب) يعني: ليس كتب بيده عليه الصلاة والسلام، لأنه ما كان كاتبًا، ولكن كُتب له، أو أمر مَن يكتب، كما هو شأنه عليه الصلاة والسلام حيث له كتبة يكتبون الوحي ويكتبون رسائله، وإنما أُسندت الكتابة إليه، لأمره بها ولصدورها منه، يعني: صدور الكتاب، لا صدور الكتابة وأنه كتب بيده عليه الصلاة والسلام، لأنه لم يكن قارئًا كاتبًا، وإنما كان أميًا، وهذه معجزته صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، ثم جاء بهذا القرآن الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما استطاعوا أن يأتوا بمثله، وهي معجزة من معجزاته عليه الصلاة والسلام، فلو كان كاتبًا قارئًا لقالوا: أخذه من هنا ومن هنا.