قال البخاريُّ رحمه الله تعالى:
كتاب العلم
باب الحرص على الحديث
حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثني سليمانُ، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُريِّ عن أبي هريرة أنه قال: ((قيل: يا رسول الله! من أسعدُ الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد ظننتُ يا أبا هريرة! أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولَ منك؛ لما رأيتُ من حرصك على الحديث، أسعدُ الناسِ بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه)).
مناسبة الحديث للترجمة:
لقول النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبًا أبا هريرة ((لقد ظننتُ يا أبا هريرة! أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولَ منك؛ لما رأيتُ من حرصك على الحديث)) فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرصه على الحديث.
شرح الحديث:
- قوله: ((من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة))
فيه قولان لأهل العلم:
1- قيل: ((من أسعد)) أي: مَن هو السَّعيدُ فيها، أي: إنَّ ((أسعد)) هنا ليس على بابه، وإنما المقصود منه: السعيد، وليس على التفضيل.
2- وقيل: إنه تفضيل، وذلك أن الشفاعة تكون لكل من ليس بمشرك، فإنه أهل للشفاعة، ولكن الناس متفاوتون، فمن الناس من يكون عنده الإخلاص؛ فهذا هو الذي يكون أسعدَ من غيره، ممن كان دونه؛ فمن كان عنده الإخلاص فهو أحق ممن حصل عنده خلل في الإخلاص.
- قوله: ((من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه))
(لا إله إلا الله) لا بد أن يضاف إليها (محمد رسول الله) وهما متلازمتان، من شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لم ينفعه، ولم يُقبل منه، بل لا بد من الإيمان بالله وبرسوله، والشهادة لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، لا بد من الاثنين، ولكنها تُذكر الشهادة لله بالوحدانية لأن الثانية - الشهادة للرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة- معها ولا تنفك عنها.
الفوائد من الحديث:
1- فضل الحرص على الحديث، والسعي في تحصيله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على أبي هريرة لحرصه على الحديث.
2- أن تحصيل العلم إنما يكون بالحرص عليه وبالتعب على تحصيله، وقد عرفنا فيما مضى أنهم كانوا من حرصهم على الحديث يسافرون الشهر وأقل وأكثر في سبيل تحصيل حديث واحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعلم لا يُحصل براحة الجسم، قال يحيى بن أبي كثير فيما رواه عنه مسلم في صحيحه: ((لا يُستطاع العلم براحة الجسم))[1]، ولهذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((حُفَّت الجنة بالمكاره))[2] الطريق الذي يؤدي إلى الجنة يحتاج إلى صبر وفيه عناء وفيه مشقة، ويحتاج إلى صبر، لا يُحصَّل الشيء بلا شيء، وإنما يُحصَّل الشيء ببذل الشيء، ببذل ما يستطيع الإنسان من الجهد والوقت، هذا هو الذي يحصل العلم ويحصل الفوائد.
3- بيان لفضل أبي هريرة ومنقبة له.
4- جواز الثناء في الوجه إذا كان فيه مصلحة ولم يُخش أن يترتب عليه مضرة على الممدوح، لأن قوله ((لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أولَ منك؛ لما رأيتُ من حرصك على الحديث)) المقصود من هذا تشجيعه وحثه على أن يستمر على ما هو عليه، وأن يزيد في الحرص على تحصيل الحديث وتحصيل العلم.