قاعدة نافعة في مقام المناظرات
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في
"الفتوى الحموية الكبرى": "ومذهب السلف: أنهم يصفون الله بما وصف
به نفسه وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم
أنّ ما وُصف الله به من ذلك فهو حقٌّ ليس فيه لغز ولا أحاجي; بل معناه يُعرف مِن حيث
يُعرف مقصودُ المتكلّمِ بكلامه، لا سيما إذا كان المتكلِّم أعلمُ الخلق بما يقول، وأفصحُ
الخلق في بيان العلم، وأنصح الخلق
في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد".
قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه
الله:
هذا فيما يتعلق بالمروي عن النبي عليه الصلاة
والسلام فيما يرويه عن ربّه ويضيفه إلى ربّه سبحانه وتعالى، قال عليه الصلاة
والسلام: ((ينزل الله إلى السماء الدنيا...))، ((ضحك ربُّنا...))، ((...حتى يضع
عليها قدمه...))، إلى غير ذلك، هذا المتكلِّم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في
وصف الربّ سبحانه، هو:
1- أعلم الخلق بالله 2-
وأفصح الخلق 3- وأنصح الخلق
هذه ثلاث إلزامات قوية جدًا في هذا الباب، ونافعة
في تقرير الحق، وردّ كل باطل، لا يقول مبطِل باطلًا فيما يتعلق بالمروي عن النبي صلى
الله عليه وسلم أو بمخالفة المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أو بتقرير شيء من
البدع أو نحو ذلك، إلا وتستطيع أن تردّ عليه بهذه الأمور الثلاثة:
مثال:
عندما يقول قائل من أولئك المعطلة كلامًا لا أثارة عليه
من علم، ولا وجود له في الكتاب والسنّة، وإنما هو من إنشاء العقول والمقاييس
العقلية، وتريد أن تردّ عليه، في ضوء هذا التقعيد الذي ذكره:
1- تسأله:
هذا الكلام الذي تقوله أنتَ هل علمه النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يعلمه؟
إن قال: لم يعلمه <<< فبطلان ما هو عليه ظاهر، لأنه ادّعى
لنفسه علمًا أعظم من علم الرسول صلى الله عليه وسلم في أعظم الأمور التي هي صفات
الله سبحانه وتعالى، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إن أتقاكم وأعلمكم بالله
أنا))[1].
وإن قال:
بل، علمه >>> تنتقل معه إلى النقطة الثانية:
2- تسأله:
هل كان قادرًا على الإفصاح عنه وبيانه، بالمقدرة التي أنتم عليها؟ أو ليس قادرًا
على ذلك؟
إن قال:
لم يكن قادرًا على الإفصاح عن ذلك وبيانه <<< عاد إلى الباطل الأول، بادّعاء
أن عنده قدرة على البيان والإفصاح ما ليس عند الرسول صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك
دليلاً على فساد ما هو عليه وبطلان ما يعتقد.
وإن قال:
بل هو قادر على الإفصاح عنه وبيانه >>> تنتقل
معه إلى النقطة الثالثة:
3- تقول له: عَلِمَه
النبي صلى الله عليه وسلم، وقَدِرَ على بيانه؛ فهل بينه أم لم يبينه؟
إن قال:
علمه وقدر على بيانه ولم يبينه >>> هذا طعن في نصحه، والله تعالى يقول: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ
عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}
(التوبة:128).
إن قال:
بل عَلِمَه، وكان قادرًا على الإفصاح والبيان، وكان ناصحًا
للخلق، أقرّ بالأمور الثلاثة
تقول له:
هذه سنته محفوظة، وأحاديثه مروية بالأسانيد الصحاح الثابتة؛ أخرجْ لنا من دواوين
السنّة ما يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
وبهذه الخطوات الثلاثة العظيمة
جدًا تستطيع أن تُبْطِلَ كلَّ باطل، ليس فقط في باب الصفات، بل حتى البدع المحدثة،
ولابن القيم في "الصواعق المرسلة" مناظرة جميلة جدًا بينه وبين أحد
النصارى بنفس الطريقة هذه، وبهذا تعلم أن هذه الأمور الثلاثة صالحة حتى في ردّ
الأديان الباطلة، ليس فقط في ردّ العقائد الباطلة التي تنتسب إلى الإسلام، بل
حتى في ردّ الأديان الباطلة، فكانت بينه وبين أحد النصارى مناظرة، وانتهت بانقطاع
النصراني، ولم يستطع أن يتكلم، وقال: حدثنا في غير هذا! لم يستطع أن يتكلم، كله من
خلال هذه النقاط الثلاثة، أقول ذلك تأكيدًا على ضبطها وفهمها فإنها نافعة لك جدًا
يا طالب العلم في باب الردّ على المبطِلة، أيًا كان باطلهم.
المرجع:
شرح الفتوى الحموية الكبرى. للشيخ عبد الرزاق
البدر. الشريط الرابع
رابط الشرح كاملاً
[1] "صحيح البخاري"
(كتاب الإيمان/ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم :((أنا أعلمكم بالله )) وأنّ المعرفة
فعل القلب/ 20).