الخميس، 13 سبتمبر 2012

أصول طلب العلم


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على خاتم رسل الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعد
فهذه أصول طلب العلم، ويقول العلماء: "مَن ضيّع الأصول حُرم الوصول".
منها:
الرحلة إلى العلماء، والتماس العلماء في أي مكان حتى يؤخذ عنهم العلم، وهذا هو الطريق الذي من سلكه سهل الله له به طريقًا إلى الجنة
فالعلم لا يحصل عفوًا بدون طلب، لابد من طلب العلم، ولا يحصل عفوًا للإنسان أو إلهامًا أو تلقائيًا، كما يقول أهل التصوف، وإنما العلم يحتاج إلى طلب وسعي في تحصيله وصبر في تلقيه.
وكذلك العلم لا يؤخذ من الكتب وحدها، لا يؤخذ العلم عن المتعالمين، الذين لم يتفقهوا في دين الله، غاية ما يكون أنهم يقرؤون في الكتب أو يحفظون شيئًا من النصوص ولا يفقهون معناها ولا يتلقونها عن أهل العلم، فهذه طريقة ضاره، لأن العلم لا يؤخذ إلا عن أهل العلم بالتلقي، عن العلماء جيلا بعد جيل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فمن أصول التعلم وأساسات التعلم هذا الأمر، أنه يؤخذ عن العلماء الربانيين العلماء المعروفين بالعلم الذين تحملوه عن مشائخهم، وهم يحملونه لطلابهم ويتوارثونه بينهم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
 أن الإنسان لا يبدأ العلم من فروعه وأعلاه، وإنما يبدأ العلم من الأساس
ومن أصول التعلم كذلك المهمة أن الإنسان لا يبدأ العلم من فروعه وأعلاه، وإنما يبدأ العلم من الأساس، شيئًا فشيئًا، ويتلقاه شيئًا فشيئًا، من الكتب المختصرة في كل فن حفظًا وفهمًا، على أيدي العلماء، فلا يقرأ ويبدأ في المطولات من الكتب، ولا يبدأ بكتب الخلاف، والأقوال، فالعلم لا يؤخذ دفعة واحدة، لا يؤخذ إلا عن طريق التدرج شيئًا فشيئًا.
أنّ طالب العلم لا يقتصر على فن واحد، كأن يقتصر على فن في الفقه مثلاً، أو يقتصر على فن الحديث مثلاً، أو فن التفسير، وإنما يأخذ من كل علم بمختصر مفيد، لأن العلوم يرتبط بعضها ببعض، فلابد أن طالب العلم أول شيء يقرأ القرآن، ويحفظ القرآن، أو يجيد تلاوته من غير حفظـ فالأساس هو كتاب الله سبحانه وتعالى، ويقرأ ما تيسر من تفسير القرآن حتى يفهم الآيات، ولا يقرأها على نفسه، وإنما يقرأ على أهل العلم، وأهل التفسير، يتلقى التفسير عن المفسرين المعروفين بذلك.
 ثم أيضا يقرأ الحديث، يقرأ في الحديث حفظًا وفهمًا، على أيدي علماء الحديث، المعروفين به، ثم أيضا يقرأ في الفقه، وهو الأحكام المستنبطة من الكتاب والسنة، هذا هو الفقه الأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة، يقرأ أيضا في كتب النحو، لأن القرآن والسنة نزلا بلغة العرب، فلا بد أن يقرأ في النحو، حتى يعرف معاني الآيات والأحاديث، ويعرف أيضا روابط الكلام من الناحية اللغوية، حتى يسلم من اللحن والخطأ، ولأن علم النحو يعين على فهم النصوص، كذلك كل فن له أصول وقواعد، هناك في الحديث مصطلح الحديث، ضوابط الحديث الصحيح من الحسن من الضعيف من الموضوع، لابد أن تعرف ولو مختصرا في مصطلح الحديث، كذلك لابد من مختصرا في أصول الفقه، وقواعد الفقه، تقرأه على عالم من علماء الأصول، كذلك لابد من مختصر في أصول التفسير، لأن التفسير له أصول، وله منهج، وهذا ما يسمى بأصول التفسير، فتقرأ في أصول التفسير من المختصرات في ذلك، هذه مفاتيح العلوم، والعلم يؤتى من بابه لا يؤتى من فرعه {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [سورة البقرة: 189[.
وهذه المختصرات سهلة لمن وفقه الله، وتدرج معها، شيئا فشيئا على أيدي أهل العلم، تكون الدراسة إما منهجية في المدارس والمعاهد والكليات على أيدي المدرسين وضمن المقررات الدراسية في كل فن، وإما أن تقرأ على العلماء في حلق العلم في المساجد، أو في دور العلم المعروفة.
أنّ العلم لا يطلب سرًا، العلم علانية، ما يطلب سرًا في جلسات سرية أو يطلب في استراحات أو في أمكنة خفية، وإنما يطلب العلم علانية ويستفيد منه الحاضرون من العوام وغيرهم، فالعلم يعلن ولا يسر، لأن الله أنزله للناس، ولم ينزله لطائفة خاصة، فلابد من أن يكون طلب العلم علانية في المساجد أو يكون علانية في المدارس النظامية.
أنه لا بد لطالب العلم أن يصبر، لا بد لطالب العلم أن يصبر على مشقة الطلب، وعلى طول المدة، يصبر ويسير مع طريق العلم ولو طال ولا يضجر ولا يمل.
اطلب ولا تضجر من مطلب         فآفة الطالب أن يضجرا
أما ترى تر الحبل بتكراره             في الصخرة الصماء قد أثرا
 فلا تيأس أو تستصعب طلب العلم، أو تستطيل مدته، فاصبر وأنت على أجر، طالب العلم تستغفر له الملائكة، تضع له أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع.
 ولا بد في طلب العلم من المشقة، ولا بد من التحمل، ولابد من الصبر
ومَن لم يذق ذل التعلم ساعة        تجرع كأس الجهل طول حياته
فعليك أن تصبر وعليك أن تواصل الطلب، ولا تمل، حتى تبلغ الغاية بإذن الله، ومن سار على الدرب وصل.
العمل بما علمك الله، فكل ما تعلمت شيئا من العلم، تعمل به، حتى يزداد علمك وتكون فيه بركة، ويكون فيه خير، وفى الحكمة: "مَن عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم".
والله عزّ وجلّ يقول: {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 282] فعليك بالعمل بما تتعلمه، ولا تأخذ العلم وتخزنه بدون عمل، إن هذا علم لا بركة فيه، وهو حجة عليك يوم القيامة، فعلم بلا عمل كشجرة بلا ثمر، والناظم يقول :
وعالم بعلمه لم يعملنْ       معذَّبٌ من قبل عباد الوثنْ
لأنه في يوم القيامة أول من تسعر بهم النار يوم القيامة عالم لا يعمل بعلمه، هو أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، فالأمر مهم جدًا.
أن يعلمه للناس، {وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [سورة آل عمران: 187[، فعلى طالب العلم أن يعمل أولا بعلمه ثم يعلمه للناس وينشره في الناس، وفى الحديث: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))[1]، وخير هذه الثلاث هو العلم الذي ينتفع به، لأن الصدقة الجارية التي هي الوقت قد ينقطع وقد يخرب، الولد الصالح يموت، لكن العلم يستمر نفعه لصاحبه  ما بقي علمه في طلابه وفي مؤلفاته يبقى علمه ويجرى أجره عليه وهو ميت، فالعلم فيه بركه وفيه خير، لكن لابد أن يؤخذ العلم من أصوله وعلى قواعده وعن أهله، ولا بد أن يثبت وينمى بالعمل الصالح.
على طالب العلم أن يخلص النية لله في طلبه للعلم، ولا يطلب العلم للرياء والسمعة، ولا يطلب العلم ليقال هو عالم، أو يطلب العلم للدنيا وللوظيفة الدنيوية، وإنما يطلب العلم لوجه الله سبحانه وتعالى.
 لأن طلب العلم عمل صالح والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))[2] فيخلص النية لله عزّ وجلّ في طلبه للعلم، أما إن كان يطلب العلم لأجل أن يمدح به فإنه جاء في الحديث ((وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا، قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ))[3] والعياذ بالله، كذلك لا يطلب العلم من أجل طمع الدنيا، وإنما يطلب العلم طمعًا في ثواب الله طمعًا في الأجر والثواب، يطلب العلم من أجل أن ينتفع وينفع، أما إذا طلبه لأجل الوظيفة أو لأجل المال فالله جلَ وعلا قال: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة هود: 15[، العلم أشرف من ذلك، أشرف من الدنيا وما فيها، فيطلبه لوجه الله يطلبه للعمل به يطلبه للخروج من الجهل.
أن يبدأ الطالب بعد كتاب الله، يبدأ بعلم العقيدة علم التوحيد، فيعرف التوحيد لأجل أن يعمل به، ويعرف الشرك من أجل أن يجتنبه، فيجعل في مقدمة اهتمامه بطلب العلم، علم العقيدة الصحيحة، من أجل أن يستقيم عليها، ويؤسس أعماله كلها عليها، ومن أجل أن يدعو إليها على بصيرة ويبصر الناس، فيهتم بالعقيدة لا نقول يقتصر على دراسة العقيدة، لكن يجعلها في أول اهتماماته، ولا يجعلها أمرًا ثانويًا أو يؤخر طلب العقيدة، بل يقدمه ويهتم به، لأن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه سائر أعمال العبد، فيهتم بعقيدة التوحيد وإفراد الله بالعبادة، ومعرفة ما يضادها مما ينافيها أو ينقصها من الشرك الأكبر والأصغر ومن النفاق، يعرف هذا جيدًا حتى يؤسس علمه على أساس صحيح، بل يؤسس عمله أيضًا على أساس صحيح، فهذه جملة من آداب طالب العلم وكيفية الطلب.
أنّ العلم لا يؤخذ عن أي أحد، وإنما يؤخذ عن العلماء الأتقياء، المعروفين به، قال بعض السلف: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" فاختر من العلماء أتقاهم لله عزّ وجلّ، وأعلمهم بالله عزّ وجلّ، حتى يدلَّك على الطريق الصحيح، لا تأخذ العلم عن جاهل، لا تأخذ العلم عن ضال، لا تأخذ العلم عن مبتدع، خذ العلم عن أهله المعروفين به المعروفين بالاستقامة، المعروفين بتقوى الله سبحانه وتعالى، وهم كثير ولله الحمد إذا طلبتهم وبحثت عنهم، وحتى إن لم يكونوا في بلدك تسافر إليهم، وتطلب العلم عندهم تتصل بهم واليوم والحمد لله وسائل الاتصال متيسرة، وكذلك وسائل النقل متيسرة، وبسرعة، فليس لنا عذر في التكاسل عن طلب العلم، فإن الله يسر لنا كل سبيل إلى طلب العلم، ولكن الشأن بالاهتمام والتوجه.
نحن كما تعلمون الآن في فتن شديدة ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومستقبل الزمان تزيد هذه الفتن، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فتن في الدين وفتن في الدنيا وفتن من كل ناحية، ولا مخرج من هذه الفتن إلا بالعلم النافع، من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه ((فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))[4] وفي رواية: ((وكل ضلالة في النار))[5] فلا عاصم من الفتن إلا:
1.    بتوفيق الله جلّ وعلا وهدايته.
2.    ثم بالعلم النافع المأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وإلا فإذا كنت جاهلاً وأحاطت بك الفتن، فإنك لا تدري كيف تخرج منها، لكن إذا وفقك الله وصار عندك علم من كتاب الله وسنة رسول الله، فإنك تهتدي إلى الخروج منها بإذن الله سبحانه وتعالى.
فالمخارج من الفتن بأيدينا ولله الحمد، ولكن الشأن في أن نعرفها وأن نتفقه فيها، فالفتن لا ينجي منها إلا التمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى وبسنه الرسول صلى الله عليه وسلم وبالسير على منهج السلف الصالح والقرون المفضلة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم والأئمة المهديين، قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة التوبة: 100] الذين اتبعوهم، اتبعوا المهاجرين والأنصار من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبعوهم بإحسان، أي بإتقان، ولا تتبع السلف الصالح بإحسان إلا إذا تعلمت منهجهم، تعلمت طريقتهم، ما يكفى الانتساب، تقول: أنا سلفي، أنا متبع للسلف، وأنت لا تعرف منهج السلف، ولا تعرف مذهب السلف، فهذا لا يغنى عنك شيئُا، لابد أن يكون اتباعك لهم بإحسان، أي بإتقان، ومعرفة، وعلم بمنهجهم وسيرتهم حتى تسير على نهجهم، هذا ونسأل الله لنا ولكم التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

المرجع:
اختصار وتصرف من محاضرة "آداب طالب العلم" للشيخ صالح الفوزان حفظه الله
http://www.alfawzan.af.org.sa/node/2032




[1]  رواه الترمذي (كتاب الأحكام/ باب في الوقف/ 1376) وصححه الألباني.
[2]  متفق عليه، وهو في "صحيح البخاري" (كتاب بدء الوحي/ باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم/ 1).
[3]  "صحيح مسلم" (كتاب الجهاد/ باب مَنَ قَاتَلَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ اسْتَحَقَّ النَّارَ/ 5032).
[4]  رواه أبو داود (كتاب السنة/ باب في لزوم السنة/ 4607) وصححه الألباني.
[5]  رواه النسائي (كتاب صلاة العيدين/ باب كيف الخطبة/ 1578) وصححه الألباني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق