الجمعة، 18 يناير 2013

إنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أوْ يُلِمُّ


المَثَل:
إنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أوْ يُلِمُّ
يُضرب في النهي عن الإفراط
أصله:
قاله النبي -عليه الصلاة و السلام- في صفة الدنيا والحثِّ على قلة الأخذ منها.
الشرح:
"الربيع" الجدول.
"الْحَبَطُ": انتفاخُ البطن وهو أن تأكل الإبلُ الذُّرَقَ؛ فتنتفخ بطونها إذا أكثرت منه.
"أو يُلِمُّ" أو يَقْرُبُ من القتل.
وأوّلُ الحديث:
عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ((إنّ أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض. قيل: وما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا. فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشرّ؟ فصمت النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى ظننت أنه ينزل عليه ثم جعل يمسح عن جبينه فقال: أين السائل؟. قال: أنا. قال أبو سعيد: لقد حمدناه حين طلع لذلك. قال: لا يأتي الخير إلا بالخير، إن هذا المال خضرة حلوة، وإنّ كلَّ ما أنبت الربيع يقتل حبطًا أو يلمّ، إلا آكلة الخَضِر[1]، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها[2] استقبلت الشمس فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت[3]. وإنّ هذا المال حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع))[4].
قال الأزهري:
"وفي هذا الحديث مثلان:
أحدهما للمُفْرِطِ في جمع الدنيا وفي منعها من حقها، والآخر للمقتصد في أخْذِها والانتفاع بها، فأمّا قولُه ((وإن مما ينبت الربيعُ ما يقتل حَبَطاً أو يُلمُّ)) فهو مثل المُفْرِط الذي يأخذها بغير حق، وذلك أن الربيعَ يُنْبِتُ أحْرَار العُشْب، فتستكثر منها الماشية، حتى تنتفخَ بطونُها إذا جاوزَتْ حدَّ الاحتمال، فتنشق أمعاؤها، وتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حِلِّها، ويمنع ذا الحق حقَّه، يهلك في الآخرة بدخوله النار.
وأما مَثَلُ المقتصد فقوله -صلى اللّه عليه وسلم- ((إلا آكلة الْخَضِر)) بما وصفها به، وذلك أن الْخَضِرَ ليست من أحرار البقول التي يُنْبتها الربيع، ولكنها من الْجَنْبَة التي ترعاها المواشي بعد هَيْج البقول، فضرب -صلى اللّه عليه وسلم- آكلةَ الخضِر من المواشي مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجَمْعها، ولا يَحْمله الحرصُ على أخذها بغير حقها، فهو ينجو من وَبَالها كما نَجَتْ آكلةُ الخضِر.

المرجع:
انظر "مجمع الأمثال" لأبي الفضل النيسابوري. (2/ 9).



[1]  ((الخَضِر)) ضرب من الكلأ، يعجب الماشية وواحده (خَضِرَة). "فتح الباري".
[2]  ((خاصرتاها)) جانبا البطن من الحيوان. "فتح الباري".
[3]  المعنى أنها إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت، تحيلت في دفعه بأن تجتر فيزداد نعومة، ثم تستقبل الشمس فتحمي بها، فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ فسلمت، وهذا بخلاف من لم تتمكن من ذلك فإن الانتفاخ يقتلها سريعًا. "فتح الباري".
[4]  متفق عليه، "صحيح البخاري" (كتاب الرقاق/ باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها/ 6063)، "صحيح مسلم" (كتاب الزكاة/ باب تَخَوُّفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا/ 2468).