الاثنين، 21 يناير 2013

الدلائل القطعية على فسادِ الشرك وحالِ أهله


بسم الله الرحمن الرحيم
الدلائل القطعية على فساد الشرك وفساد حال أهله
قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} (النجم: 19 -26).
هذا سياق عظيم جدًا في فساد الشرك وبطلانه، وفساد حال أهله، وأنه ليس قائمًا على حجة، وإنما على فساد علم أو فساد إرادة، أو فسادهما معًا.
يقول تعالى مُقَرِّعا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان، واتخاذهم لها البيوت مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن –عليه الصلاة والسلام-:
{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} أي: هل نفعت أو ضرّت؟ يعني: أنتم تعلمون أن ذلك ليس إليها، فلم تعبدونها وتجعلونها شركاء لله؟
وهذه الأوثان الثلاثة هي أعظم أوثان الجاهلية من أهل الحجاز، ولهذا نص عليها بأعيانها، وإلا ففي الحجاز أوثان غيرها، لكن خص هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها أكبر أصنام العرب إذ ذاك، فصارت الفتنة بها أشد.
واللاتّ: هي صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف. وأصلها كان رجل يلتّ السّويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره، وقال أهل العلم: لا مانع أن يكون عكفوا على قبره، وعكفوا أيضًا على الصخرة التي كان يلتُّ عليها.
العزّى: شجرة سمر عليها بناء، بين مكة والطائف، كانت قريش تعظّمها.
مناة: صخرة، كانت بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظّمونها، ويهلّون منها للحج.
قال ابن إسحاق في "السيرة": "وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، بها سَدَنة وحجاب، وتهدي لها كما يهدى للكعبة، وتطوف بها كطَوْفَاتِها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها؛ لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم، عليه السلام، ومسجده".
كيف كانت عبادة المشركين لهذه الأصنام؟
إنما كانت عبادتهم لها بالتفات القلوب رغبة إليها في حصول ما يرجونه ببركتها، من نفع أو دفع ضر، فصارت أوثانا تعبد من دون الله.
وإذا كان "اللات" أصله رجل صالح، و"العزى" أصلها شجرة، و"مناة" أصها صخرة أو حجر، فكذلك ما وجد من التعلقات بعد ذلك إنما هي ترجع لأحد هذه الأشياء الثلاثة. فالتبرك بقبور الصالحين كـ"اللات"، والتبرك بالأشجار كـ"العزى، والتبرك بالأحجار كـ"مناة"، من جنس فعل أولئك المشركين مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك فقد ضاهى عبّاد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك.
ويدخل في ذلك التبرك بالقباب والأضرحة، والزوايا والبقاعات والأتربة، فتعلق القلب بهذه الأشياء، وقصدها وتلمس البركة من جهتها، سواء بالمكث عندها، أو التمسح بها، أو تعليق الأشياء عليها، أو المسح باليد عليها، وغير ذلك، وقصد البركة منها، في الصحة أو المال أو العمر أو الأولاد أو غير ذلك، إنما هو من صنائع المشركين، ومن أفعال أهل الجاهلية.
{أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى* تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى}
-       أي: كيف تجعلون هذه الإناث أندادًا لله وتسمونها آلهة، وذلك أنهم اشتقوا اسم "اللات" من "الإله"، و"العزى" من "العزيز"، و"مناة" من "المنّان" –تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا-.
-       وقيل: هذا من قولهم الملائكة بنات الله. أي: أتجعلون له ولدًا، وتجعلون ولده أنثى، وتختارون لأنفسكم الذكور، فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت {قِسْمَةٌ ضِيزَى} أي: جورًا باطلة، فكيف تقاسمون ربّكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورًا وسفهًا.
{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى}
{إِنْ هِيَ} يعني ألوهية هذه الأوثان.
{إِلاَّ أَسْمَاءٌ} أي مجرد تسمية {سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} من تلقاء أنفسكم.
فـ"العزى" شجرة مثل غيرها من الأشجار، و"مناة" حجر مثل غيره من الأحجار، و"اللات" رجل مثل غيره من الرجال الصالحين، لكن سمّوها بهذه الأسماء من تلقاء أنفسهم وصرفوا لها أنواعًا من العبادات بالباطل، الذي ما أنزل الله به من سلطان.
{مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} أي من حجة وبرهان، وتسمية الحجة سلطانًا لما فيها من السلطة على القلوب والعقول، بالمصير لقبول المدلول.
وهذا وحده كافٍ في إبطال كل باطل، أن يقال فيه: ما أنزل الله به من سلطان.
{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} أي ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم.
{وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ} وحظ نفوسهم في رياستهم، وتعظيم آبائهم الأقدمين.
فنهاية برهانهم مبني على أمرين: فساد العلم، وفساد الإرادة.
وكل فساد في الوجود، من الشرك فما دونه دائر على:
1- فساد العلم
2- وفساد الإرادة
 أو هما جميعًا
كما أنه لا استقامة إلا لمن عنده:
1- علم صحيح
2- وإرادة صحيحة.
{وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} أرسل إليهم الرسل بالحق المنير، والحجة القاطعة بإبطال عبادتها، ومع هذا ما اتبعوا ما جاؤوهم به، ولا انقادوا له.
{أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى} أي: ليس كل من تمنى خيرًا حصل له، {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} [ النساء: 123 ]، ما كلّ مَن زعم أنه مهتد يكون كما قال، ولا كل مَن ودَّ شيئًا يحصل له.
{فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى} أي: إنما الأمر كلّه لله، مالك الدنيا والآخرة، والمتصرف في الدنيا والآخرة، فهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} كقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23]، فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله، وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟!
وفي هذه الآيات من الدلائل القطعية على بطلان عبادة هذه الطواغيت وأشباهها مما لا مزيد عليها.
وفيها بيان أن التعلق بالأشجار والأحجار وقبور الصالحين ونحو ذلك من الشرك بالله، المنافي للتوحيد، لأن التوحيد قائم على إخلاص العمل لله، والتوكل عليه وحده، واللجوء إليه وحده في طلب النفع ودفع الضرّ، فمن كان يقصد حجرًا أو شجرًا أو نحوهما متعلقًا قلبه بها، راجيًا طالبًا بركتها، أو متلمسًا نفعها، فقد أشرك هذه الأشياء بالله، وهي لا تملك لنفسها نفعًا فضلاً عن أن تملكه لغيرها.
تنبيه:
يقول العلامة عبد الرحمن السعدي –رحمه الله- في هذا الباب:
"وهذا عام في كل شيء حتى مقام إبراهيم، وحجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وصخرة بيت المقدس، وغيرها من البقع الفاضلة.  وأما استلام الحجر الأسود وتقبيله واستلام الركن اليماني من الكعبة المشرفة؛ فهذا عبودية لله وتعظيم لله وخضوع لعظمته، فهو روح التعبد فهذا تعظيم للخالق وتعبد له، وذاك تعظيم للمخلوق وتأله له، فالفرق بين الأمرين كالفرق بين الدعاء لله الذي هو إخلاص وتوحيد، والدعاء للمخلوق الذي هو شرك وتنديد".

المراجع:
انظر "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير، و"حاشية كتاب التوحيد" لابن قاسم، و"القول السديد" للشيخ السعدي، و"شرح كتاب التوحيد" للدكتور عبد الرزاق البدر. بتصرف.