ذمّ التعصّب
قال تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ
بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ
أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}
(البقرة: 145).
قال الشيخ ابن
عثيمين رحمه الله عند ذكر الفوائد المستنبطة من هذه الآية:
ومنها: شدة عناد هؤلاء الذين أوتوا
الكتاب؛ وأنهم مهما أوتوا من الآيات فإنهم لن ينصاعوا لها، ولن يتبعوها.
ويشبه هؤلاء من بعض الوجوه من يتعصب
لمذهبه ــــ ولو علم أن الحق في خلافه ــــ إحسانًا للظن بمَن قلدهم؛ ولو أتيتهم بكلام
من كلام مشايخهم قالوا: على العين والرأس! ولهذا أكثر شيخ الإسلام ــــ رحمه الله ــــ
في «الفتوى الحموية» النقول عن العلماء من الأشاعرة وغيرهم؛ وقال: «إنه ليس كل مَن
نقلنا قوله فإننا نقول به؛ ولكن لما كان بعض الطوائف منتحلاً إلى إمام أو مذهب، صار
لو أُتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم"، وهذا من الدعوة
بالحكمة؛ فإنه يقنع المعارض بما لا يمكنه نفيه ومعارضته، إذا أتى إليه بشيء من
كلامهم مقلَّده لا يمكنه أن يحيد عنه.
وهؤلاء المتعصبون للمذاهب إذا
قلنا لهم: هذا الإمام الشافعي، والإمام مالك، والإمام أحمد والإمام أبو حنيفة كلهم
ينكرون تقليدهم مع مخالفة الكتاب، والسنة، ويقولون: «اضربوا بأقوالنا عُرض الحائط إذا
خالفت الكتاب، والسنة»؛ ولهم عبارات في هذا المعنى كثيرة؛ وإذا كانوا يقولون هكذا فإن
الذين يتعصبون لهم مع مخالفة الدليل لم يقلدوهم حقيقة؛ ولو قلدوهم حقيقة لكانوا إذا
بين لهم الدليل أخذوا به كما أمر به هؤلاء الأئمة؛ لكنهم لم يقلدوهم حقيقة؛ بل تعصبوا
تعصبًا لا يُحمدون عليه ما دام قام الدليل على خلافه؛ أما إذا لم يقم الدليل عند الإنسان
ــــ سواء كان ممن يطلب الدليل، ويستطيع أن يعرف الحكم بالأدلة؛ أو لم يكن كذلك ــــ
فهذا على كل حال يعذر إذا قلّد مَن يرى أنه أقرب إلى الحق؛ أما مع وضوح الدليل، وبيانه
فإن التقليد حرام؛ ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن التقليد بمنزلة
أكل الميتة يحل للضرورة، أما مع وجود لحم مذكّى فلا تأكل الميتة؛ فمع وجود الدليل من
الكتاب، والسنة، وتبينه للإنسان فإنه لا يحل له أن يقلِّد؛ ولهذا لم يأمر الله
بسؤال أهل العلم إلا عند عدم العلم فقال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ
كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} [النحل: 43، 44]؛ أما
إذا كنا نعلم بالبينات، والزبر فلا نسألهم؛ ونأخذ من البينات والزبر.